السيد كمال الحيدري
11
معرفة الله
إنّ معرفة الله سبحانه في أدنى مراتبها الحقّية هي حصول اليقظة في اليقظة ، والموت قبل الموت ، والقيامة قبل القيامة اختياراً . وينبغي أن يُعلم بأنّ هذه المعرفة بجميع مراتبها التي لا تُعدّ ولا تُحصى لا يؤسّس لها في جميع ما يحصل عليه الإنسان من وسائل معرفية ، سواء أكانت حصولية أم حضورية ، بل يؤسّس للكشف عنها ، وشتّان بين التأسيس المعرفي والتأسيس الكشفيّ لتلك المعرفة . إنّ إثبات الواجب سبحانه وتوحيده ومعرفته الحقّة تُمثِّل مراتب معرفية ثلاثاً فُطر الإنسان على الأولى والثانية منها ومُسّ بشيء من الثالثة منها ليكون ذلك المسّ القُدسي موطئ قدم معرفية ينطلق منها الإنسان في رحلته وعودته إليه سبحانه في أسفاره العملية الأربعة التي خُلق الإنسان لطيّها والتحقّق بها وفيها ليكون عارفاً ومعروفاً بعد أن كان معروفاً فحسب . بعبارة أخرى : ليعود إلى جبلّته الأولى وسقفه المعرفيّ الأوّل بقوس صعوديّ اختياريّ بعد أن هبط منه بقوس نزوليّ اضطراريّ . فالإنسان لا يُطلب منه التأسيس المعرفي لمعرفة الله تعالى ، ولا يُراد منه ذلك ، وإنّما يُطلب ويُراد منه التأسيس الكشفيّ عن تلك المعرفة الحقّة ، بل إنّ التأسيس الكشفيّ هو بنفسه لم يُترك للعبد كيفما اتّفق وإنّما وُضعت له خطوطه البيانية الأولى وملامحه النظرية ليسلكها العبد بقدم توحيدية خالصة وليكتشف بواسطتها ما كان عليه مسبقاً من معرفة حقّة قد غفل عنها قبل ذلك . وعليه فما تقدّم في معاني المعرفة من كون المعرفة هي إدراك الشيء ثانياً بعد توسّط نسيانه هو تعبير دقيق عمّا نُريد الوقوف عنده وعليه .