السيد كمال الحيدري
78
معرفة الله
إنّ هذه المرتبة المعرفية التحقّقية التي حصرت الناعتية بهم وحجبت الشياطين عنهم ، هي بنفسها جعلتهم من دون خلقه سبحانه لا يحضرون الحساب ، وذلك لأنّهم قد حاسبوا أنفسهم في دنياهم وأعطوا من أنفسهم النصفة ، فلم يعد في تبعاتهم شيء يذكر سوى العيش الهنيء الذي كانوا وما زالوا فيه ، فكلّ منهم ريحٌ وريحان وجنّة نعيم . وقد حكى لنا القرن الكريم استثناءهم عن المُحضرين بقوله تعالى : فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمحْضَرُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللهِ الُمخْلَصِينَ « 1 » ، فهم وحدهم الناعتون لله سبحانه ، وهم وحدهم المُستثنَون عن الحساب ، وهم وحدهم المحجوبون عن إغواء الشياطين . وقد عرفت أنّ المناط في كلّ ذلك هو مراتبهم المعرفية الحقّة وعلمهم النوعيّ الذي ما فارق الحقّ طرفة عين أبداً . وحيث إنّهم وحدهم الناعتون المُصيبون ، فإنّ ما يرد عنهم هو الحقّ بعينه في جميع المعارف الإلهية ، خاصّها وعامّها ، لاسيّما في المعارف الأساسية ، فهم مظاهرها الحقّة ، ولا ريب . يقول العلّامة الطباطبائي : « إنّ هؤلاء المُخلَصين من الأنبياء والأئمّة عليهم السلام قد بيّنوا لنا جمل المعارف المتعلّقة بأسمائه وصفاته من طريق السمع ، وقد حصّلنا العلم به من طريق البرهان أيضاً ، والآية ( الصافات 160 ) تنزّهه عمّا نصفه به دون ما يصفه به أولئك المخلَصون ، فليس إلّا أنّ العلم غير العلم وإن كان متعلّق العلمين واحداً من وجه » « 2 » .
--> ( 1 ) الصافات : 128 127 . ( 2 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 11 ص 172 .