السيد كمال الحيدري

75

معرفة الله

الخلق وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ . . . « 1 » أو وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا . . . « 2 » ، وإنّما كان التفاضل ورفع بعض فوق آخر لخصائص امتاز بها الفاضل ، وأخرى هبطت بالمفضول . بعبارة أخرى : إنّ كلّ تقدّم أو تأخّر هو مبرّر وراجع إلى استحقاقات مسبقة قد حازها بعض دون آخر ، كالإيمان والعلم والصدق وغيرها ممّا هو داخل في موازين التفاضل الإلهي ؛ قال تعالى : يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ « 3 » ، ولا يخرج عن هذا المناط أحد ، وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ « 4 » . إنّ المعرفة الإلهية هي ما نريد الوقوف عندها في أبحاثنا اللاحقة برويّة وتنقيب ، بعد الفراغ من هذا الفصل الذي قدّمناه لجانب معنويّ اقتضاه البحث ولإعطاء القارئ والمتابع مقداراً من الاستعداد الذهني والمعنوي للدخول في أبحاث المعرفة الإلهية التي سوف نحاول فيها جهد الإمكان جذب البحث إلى دائرة المعنى لا اللفظ ؛ لما للمعنى من معيّة وقُرب ، ولما للّفظ من إخراج وطرد ، والكناية أبلغ من التصريح . جديرٌ بالذكر أنّ مجموع الأبحاث القادمة سوف تقتصر في الأعمّ الأغلب على بيان المعرفة الإلهية ومتعلّقاتها ، وغير خفيّ أنّ طريق عرضها وتحصيلها هو الكسب والحصول لا الكشف والشهود إلّا في مواضع

--> ( 1 ) الأنعام : 165 . ( 2 ) الزخرف : 32 . ( 3 ) المجادلة : 11 . ( 4 ) الأنعام : 132 .