السيد كمال الحيدري
73
معرفة الله
فالعلم الذي حصل عليه المخلَصون ينسجم مع الإرادة والاختيار ، بل هو يعمّق فيهم ذلك ؛ يقول الطباطبائي : « إنّ هذا العلم أعني مَلَكة العصمة لا يُغيّر الطبيعة الإنسانية المختارة في أفعالهم الإرادية ولا يخرجها إلى ساحة الإجبار والاضطرار . كيف ، والعلم من مبادئ الاختيار ، ومجرّد قوّة العلم لا يوجب إلّا قوّة الإرادة ؟ كطالب السلامة إذا أيقن بكون مائع ما سُمّاً قاتلًا من حينه فإنّه يمتنع باختياره من شربه قطعاً وإنّما يضطرّ الفاعل ويجبر إذا أخرج من يجبره أحد طرفي الفعل والترك من الإمكان إلى الامتناع » « 1 » . في ضوء ما تقدّم تنتظم عندنا المراتب الطولية التي يمكن لكلّ إنسان أن يصل إليها ، فتبدأ الرحلة بالمعرفة المورثة للحبّ المورث للإخلاص المُوصل للاستخلاص الإلهي ، فمعرفة الله ثمّ حبّ ثمّ مُخلِصية ثمّ مخلَصية . ولعلّ هذه الرباعية في الأدوار والأطوار ، والمدارج والمراتب ، والمواطن والمنازل ، والطرق والمسالك ، والمواقف والمقامات ذات صلة وثيقة بالأسفار الأربعة « 2 » بل هي كذلك . فالمعرفة بالله تعالى التي من أعظم طرقها معرفة النفس « 3 » تُناسب السفر الأوّل ( من الخلق إلى الحقّ ) ، والحبّ الإلهي يناسب السفر الثاني ( من الحقّ إلى الحقّ بالحقّ ) ، والإخلاص له تعالى يُناسب السفر الثالث ( من الحقّ إلى
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 11 ص 179 . ( 2 ) للوقوف مفصّلًا على مطالب الأسفار الأربعة العملية والنظرية العقلية يُراجع كتاب : من الخلق إلى الحقّ . . رحلات السالك في الأسفار الأربعة للسيّد كمال الحيدري ، بقلم طلال الحسن : ص 79 . ( 3 ) عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام أنّه قال : « من عرف نفسه عرف ربّه » . ( درر الحكم : ص 403 ح 8048 ) و « معرفة النفس أنفع المعارف » . ( درر الحكم : ص 488 و 9959 ) . وسوف يأتي بحث مفصّل في طرق المعرفة ، فانتظر .