السيد كمال الحيدري

68

معرفة الله

جدير بالذكر أنّ الشيطان قد أقرّ بعجزه عن استدراج وإغواء الطبقة المُخلَصة فقط دون سائر الطبقات لأنّ المُستخلِص لهم هو الله تعالى وقد استخلصهم لنفسه ؛ فليس لأحد سلطان عليهم سواه تعالى ، وقد صوّر لنا القرآن الكريم هذه اللوحة التجاذبية في قضية الإغواء والخارجين عن سطوة الإغواء ، بقوله تعالى : قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ « 1 » . وهنا الوعيد بالإغواء يعمّ دائرة البشر ، ولكنّ الدائرة لا تكتمل ، فيُعلن الشيطان عجزه الكامل إلّا عِبادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصين « 2 » ، فأولئك لم ينصرفوا عن السوء والفحشاء فحسب ، بل صرف الله تعالى عنهم دائرة السوء والفحشاء . فدائرة الغواية تارةً يخرج الإنسان العابد عنها بعمله وصدقه ، وتارةً لا يكون داخلًا فيها من الأساس ، فهو غير مشمول بأصل الوعيد الشيطاني ، والأوّل يُعبّر عنه في علم الأصول بأنّه خارج عن حكم العموم تخصيصاً ، والثاني خارج تخصّصاً ، والفرق بين التخصيص والتخصّص هو عين الفرق بين المُخلِص والمُخلَص ، فالمُخلِص كان مشمولًا بالوعيد ابتداءً فاستخلص قلبه من الغواية وطهّر فعله وأنقذ نفسه ، والمُخلَص لم يكن مشمولًا بالوعيد ابتداءً . بعبارة أخرى منطقية : إنّ المخلِص فيه اقتضاء فعل المعصية والنظر إلى

--> ( 1 ) الحجر : 39 . ( 2 ) الحجر : 40 .