السيد كمال الحيدري

64

معرفة الله

الحديث الأوّل ، حيث يقول : « فما لي أراه بأمله معرضاً عنّي . . . » . وقد عرفت أنّ المتوسّل بالأسباب الطبيعية ليس مُعرضاً عنه ، بل هو قاصد إيّاه أوّلًا وبالذات ، فيشرب الدواء وهو معتقد أنّ الشافي له هو الله تعالى وحده ، ويأكل الطعام وهو معتقد أنّه تعالى هو الطاعم ، وهكذا . . . فليس المراد من ذلك إبطال الأسباب الطبيعية ؛ لذا يقول الطباطبائي : « وما اشتمل عليه الحديثان هو الإخلاص في الدعاء وليس إبطالًا لسببية الأسباب الوجودية التي جعلها الله تعالى وسائل متوسّطة بين الأشياء وبين حوائجها الوجودية لا عللًا فيّاضة مستقلّة دون الله سبحانه ، وللإنسان شعور باطنيّ أنّ كلّ ما يتوجّه إليه من الأسباب الظاهرية يمكن أن يتخلّف عنه أثره فهو يشعر بأنّ المبدأ الذي يبتدئ عنه كلّ أمر ، والركن الذي يعتمد عليه ويركن إليه كلّ حاجة في تحقّقها ووجودها غير هذه الأسباب » « 1 » ، ولذا فالمطلوب منّا هو عدم الركون التامّ لتلك الأسباب إلى درجة تكون هي العلل الحقيقية والفيّاضة ، لأنّها أسباب ظاهرية لا تملك من أمرها شيئاً ، والأمر كلّه بيد الله تعالى . وأمّا الاستعانة بتلك الأسباب الطبيعية الوجودية الظاهرية بعنوان كونها كذلك وأنّ وراءها الفاعل الحقيقي والمؤثّر الأوّل وهو الله سبحانه وتعالى ، فهذا أمرٌ جارٍ وفق الشرعة الإلهية والناموس الطبيعي الذي أسنّه الله تعالى وأمرنا باتّباعه ، ولذلك عندما ألقى المسافرون الدلو في ذلك الجُبّ الذي ألقي فيه يُوسف ، ووصل الدلو إلى يوسف عليه السلام تعلّق به لينجو من الموت ، ولم يكن ذلك منافياً للإخلاص ، فكان من المُخلِصين بل كان من المُخلَصين .

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 2 ص 34 .