السيد كمال الحيدري

55

معرفة الله

مرتبة سلوكية عالية ، إلّا أنّ الرويّة والتفكّر على علوّ شأنهما لا يخرجان عن دائرة عالم الملك ، أي ما دام العبد متفكّراً متأمّلًا فهو واقع في حيّز ملكيّ لا ملكوتيّ ، بخلاف العبادة التي تكون بالتحقّق والتجلّي فإنّها انعتاق تامّ من عالم الملك وهجرة تامّة إلى غير المتناهي ، وحضور دائم بين يديه . ولاشكّ أنّ هنالك فرقاً عظيماً بين التفكّر والتأمّل بغير المتناهي ، وبين الحضور بين يديه . فالأولى عبادة المستبصرين المحقّقين ، والثانية عبادة المبصرين المتحقّقين . فخلص ممّا تقدّم أنّ الإخلاص هو دفع الأغيار بجميع مراتبها عامّها وخاصّها عن مخالطة العمل ، سواء ما كان منها أجنبيّاً كالنظر إلى الخلائق أو جنبياً « 1 » كالنظر إلى النفس الفاعلة ، أو أخصّ من ذلك ، فلا يبقى في المنزل أحد غير صاحب الدار جلّ وعلا ، فهو البارئ والفاعل والناظر ، ولا يمكن لأحد أن يبلغ حقيقة الإخلاص حتّى تكون جميع أعماله لله تعالى وأن لا يأمل عوضاً عنها ولا يُحبّ أن يُحمد على شيء منها البتّة ، كما جاء ذلك في حديث الرسول الأكرم صليالله عليه وآله حيث يقول : « إنّ لكلّ حقٍّ حقيقة ، وما بلغ عبدٌ حقيقة الإخلاص حتّى لا يُحبّ أن يُحمد على شيء من عمل لله » « 2 » ، ودون ذلك لا يخرج عن كونه ضرباً من ضُروب الشرك في العبادة

--> ( 1 ) الأجنبية والجنبية أمران مختلفان ، الأول يلاحظ فيه ما هو خارج عن دائرة النفس ، والثاني يلاحظ فيه ما هو داخل في دائرة النفس ، وقد ورد التعبير بالجنبية في حديث للرسول الأكرم صلّيالله عليه وآله حيث يصف فاطمة الزهراء عليها السلام بقوله : « إنّ فاطمة بضعة منّي ، وهي روحي التي بين جنبيّ » ، انظر : الاعتقادات للشيخ المفيد محمد بن النعمان العكبري البغدادي ، نشر دار المفيد ، الطبعة الثانية 1414 ه ، ص 105 . ( 2 ) مستدرك الوسائل ، للمحدّث الميرزا حسين النوري ، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ، الطبعة الأولى ، 1408 ه : ج 1 ص 100 .