السيد كمال الحيدري

53

معرفة الله

الإخلاص في نفس العمل ، بتطهيره من كلّ شوب . وأمّا المرتبة الثانية فهي فضلًا عن الإخلاص في العمل مرتبة الإخلاص من العمل ، فلا يريد الفاعل عنه عوضاً من الدارين ولا حظّاً من الملكين « 1 » . ولا شكّ أنّ هذه المرتبة الثانية شديدة على النفس وصعبة المنال . يُروى أنّه قيل لسهل بن عبد الله التستري « 2 » : أيّ شيء أشدّ على النفس ؟ فقال : الإخلاص ، لأنّه ليس لها أي للنفس فيه نصيب « 3 » . لكنّ صاحب هذه المرتبة على رفعتها حيث يجرّد الفاعل فعله عن فاعليّته إيّاه يرى إخلاصه في عمله . فما قدّمه من عمل ، قد طرد الشوب والأغيار عنه ولم يترقّب منه جزاءً ولا شكوراً ، ولكنّ هذا الطرد وعدم الترقّب وهو إخلاصه في عمله منظور إليه ، فلابدّ من الارتقاء إلى مرتبة أسمى وهي الثالثة فيُخلّص نفسه من رؤيته لإخلاصه ، فيكون عمله خالياً من الشوب والنظر إلى الأغيار وهو ملاك الأولى ولا ينتظر من عمله عوضاً ولا أجراً وهو ملاك الثانية ولا يرى ذلك الخلوّ وعدم الانتظار ، أي لا يرى ذات الإخلاص وهذا تمام الثالثة وبذلك يكون من

--> ( 1 ) انظر : الرسالة القُشيرية لأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القُشيري النيسابوري ، تحقيق د . عبد الحليم محمود ، ود . محمود بن الشريف ، انتشارات بيدار ، الطبعة الأولى : ص 316 . ( 2 ) أبو محمّد سهل بن عبد الله التستري ( ت 283 ه ) من أهل الذوق والتحقيق ، كان يُسأل عن دقائق الزهد والورع وفقه العبادة وهو ابن عشر فيُحسن الإجابة ، من أشهر أقواله « ما أعطي أحدٌ شيئاً أفضل من علم يستزيد به افتقاراً إلى الله » وقوله : « حياة القلب الذي يموت ، بذكر الحيّ الذي لا يموت » . انظر : الرسالة القشيرية ، مصدر سابق : ص 57 . ( 3 ) المصدر السابق : 316 .