السيد كمال الحيدري

13

معرفة الله

وصل إليه فهو خارج عن دائرة الشرك ، وبذلك تكون دائرة التوحيد هي أوسع الدوائر قاطبةً . إنّ الهدف الغائيّ بطبيعته لا يمكن الوصول إليه ؛ لقصور في السائر لا في السير ولا في المسير إليه ، وهو ما يُعبّر عنه أيضاً بقصور القابل لا الفاعل . فإذا تحقّق الإنسان معرفيّاً بمرتبة من مراتب المعرفة الحقّة واعتقد أنّه بلغ غاية المطاف فهو واقع في مرتبة من مراتب الشرك ، بنحو من الأنحاء . وحيث إنّه لا يُوجد عادةً من يدّعي الوصول إلى غاية المطاف « ما عرفناك حقّ معرفتك » « 1 » ، فإنّه سوف يخرج بديمومة سيره المصحوب بالإقرار بعجزه ، وبذلك لا غير يخرج عن دائرة الشرك ليدخل أو يبقى في دائرة التوحيد الحقّيّ ، وهذا ما قصدناه من السطور السابقة والتي سوف تتّضح فكرته بنحو أفضل وأشمل في مطاوي الكتاب . إنّ الدافع الغيبيّ أو الحركة الاضطرارية التي تنحو بالإنسان باتّجاه السعادة الحقيقية التي تملك وجدانه وتتحكّم به لهي صمّام الأمان الذي يُحافظ قدر الإمكان على الإعدادات الأوّلية في تركيبة الإنسان وفطرته ، أعني : فطرة التوحيد . فإذا ما حصل انحراف في مسار الفطرة لوجود إغراءات ظاهرية أو اجتهادات عقلية حاولت السير بقدم واحدة ، فإنّ الوجدان والفطرة سوف يُعبّئان كلّ صوت ليهتف بالإنسان إلى وقت العروج ، ولكن هذه النداءات كثيراً ما تفتقد القدرة على التأثير نتيجة التراكمات المادّية ، ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة في تصفية القلب وتطهير الروح من تلك الأدران المادّية التي تحوم حول النفس مُشكّلة دوائر مانعة

--> ( 1 ) من دعاء للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ، انظر : بحار الأنوار للشيخ محمّد باقر المجلسي ، مؤسّسة الوفاء ، الطبعة الثانية المصحّحة ، 1983 م ، بيروت : ج 66 ص 292 .