السيد كمال الحيدري

86

مراتب السير والسلوك إلى الله

أمّا الثالث وهو الأرقى والمسمّى أيضاً بالفناء الذاتي وبه يصل العبد إلى التوحيد الذاتي ، فهو الفناء وعدم الالتفات إلى نفس الذات فضلًا عن أفعالها وصفاتها ، وبذلك لا يرى العبد غير الله تعالى ، وانّه مجرّد مملوك لا يناسبه حتّى قول « أنا » فضلًا عن الشعور بها ، فيصل به المطاف إلى أن يكون الالتفات إلى نفسه وذاته ذنباً لا يُقاس به ذنب آخر ، وهذا هو معنى القول المأثور : « وجودك ذنب لا يُقاس به ذنب » « 1 » . وعندئذ يتخلّص من ذلك المقتضي لوجود النزاع بينه وبين ربّه : « بيني وبينك إنّيّ يُنازعني » « 2 » ؛ فإنّ حجاب الإنّية هو أكثف الحُجب وأعقدها حيث يحتجب القطْرُ عن البحر .

--> ( 1 ) منازل السائرين ، لأبي إسماعيل عبد الله الأنصاري ، شرح كمال الدين عبد الرزاق القاساني ، تحقيق وتعليق مُحسن بيدارفر : ص 302 ، انتشارات بيدار ، الطبعة الثانية ، 1381 ش ، قم . وهذا المقطع الشعري ينقله إلينا ابن خلكان في ترجمته للجنيد ، حيث يقول : قال الشيخ الجنيد : ما انتفعت بشيء انتفاعي بأبيات سمعتها - من جارية - تقول : إذا قلتُ أهدى الهجر لي حلل البلى * تقولين : لولا الهجر لم يطب العيشُ وإن قلتُ : هذا القلب أحرقه الهوى * تقولي : بنيران الهوى شرف القلبُ وإن قلتُ : ما أذنبتُ ؟ قلتِ مجيبة * حياتك ذنبٌ لا يُقاس به ذنبُ وفيات الأعيان ، لابن خلكان : ج 1 ص 374 ، نشر مؤسّسة الشريف الرضي : 1364 ش ، قم . ( 2 ) هذا صدر بيت شعر ، وعجزه هو « فارفع بلطفك إنِّي من البينِ » وهو من أشعار الحسين بن منصور الحلّاج ، انظر : ديوان الحلّاج ، وضع حواشيه وعلّق عليه : محمّد باسل عيون السود : 57 ، دار الكتب العلمية ، الطبعة الثانية ، 1423 ه - ، بيروت ، وأيضاً : الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة : ج 1 ص 116 .