السيد كمال الحيدري

8

مراتب السير والسلوك إلى الله

وهذا هو البُعد الإيجابي في سجلّ الإنسان ومسيرته ، وهُنالك بُعد آخر وناحية أُخرى في سجلّ الإنسان ومسيرته وهو البُعد السلبي حيث الانحدار والتسافل إلى مرتبة هي دون مرتبة الأنعام وذلك عندما تغلب شهوتُه عقلَه إنْ هُمْ إلَّا كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا « 1 » ، وهذا ما يكشف لنا عن مجبولية الإنسان على السفر والسير نحو هدف ما - شاء ذلك أم أبى - وهذا السير إمّا ارتقائي أو انحداري . لذا يتعيّن علينا أن نتفحّص القوى التي نتمتّع بها - العقلية والغرائزية - ثمّ الوقوف على الطرق الموصلة إلى دائرة الارتقاء والأخذ بها ، وكذلك الوقوف على الطرق التي تلقي بسالكها في دائرة الانحدار والاجتناب عنها ، لنكون على بيّنة من أمرنا . وهذا لا يعني أنّ هذه الرسالة سوف تتكفّل بهذه الرحلة الفحصيّة وتعيين السُبل نحو الارتقاء ، لأنّها ليست رسالة في السير والسلوك وإن كانت تتضمّن بارقات وإشراقات من ذلك وإنّما مهمّتها الرئيسيّة تكمُن - غالباً - في إثارة مواضيع تُحفّز نحو الفحص والارتقاء وتحصيل أكبر قدر ممكن من مراتب الكمال ، ولذا فمهمّتها ليست علاجية بقدر ما هي بيانية لواقع حال الإنسان ، ومن خلال ذلك تكفل له رسم أوّل خُطوة على الطريق لعلّها تُساعده في وضع قدميه على أعتابها . إنّ خلاصة ما يُراد قوله في هذه الرسالة هو الدعوة للتأمّل في مسيرة الإنسان السائر والمسافر بطبعه - وهي دعوة الأنبياء والرسل وكُتب السماء - ولكن شتّان ما بين السير الارتقائي والسير الانحداري .

--> ( 1 ) الفرقان : 44 .