السيد كمال الحيدري

66

مراتب السير والسلوك إلى الله

فالإنسان - وهو الذي سخِّر له ما في السماوات وما في الأرض - عندما انتهى به المطاف والرحلة الأُولى إلى هذا المقام ، أعني : عالم المادّة والهيولى والاستعداد والحركة ، عالم الخروج من القوّة إلى الفعل ، لابدّ له من عودة ورجوع إلى حيث مبدئه الأوّل وموطنه الأصلي الذي انطلق منه ، أو جِيء به منه - على الأصحّ - ، وقد عرفت أنّ العود يمتاز بكون الإنسان مريداً ومختاراً ومكلّفاً فيه ، ولهذا سوف تترتّب مسؤولية عُظمى على جميع أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته واعتقاداته ونيّاته ، فبالنيات تكمن حقائق الأعمال وجدواها « 1 » . وبذلك سوف يكون قوس الصعود مفترق طرق ، حيث ينقسم السير أو الطريق فيه إلى طريق جنّة وطريق نار ، إلى ثواب وإلى عقاب ، وإلى درجات في الجنان ، ودركات في النيران . فإدراك الإنسان لعظم المسؤولية المُلقاة على عاتقه وإرادته واختياره كلّها عوامل في رسم سلوكه وسيره نحو هذا الطريق أو ذاك . إنّ آخر مرتبة وعالم من مراتب وعوالم قوس النزول يصلها الإنسان هي مرتبة وعالم المادّة والطبيعة الذي يمثّل أدنى وآخر نقطة في عالم الوجود ، إذ ليس دونها إلّا العدم . بعبارة أُخرى : إنّ للوجود الخارجي حاشيتين ، حاشية ما بعدها « 2 »

--> ( 1 ) قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : يا أيّها الناس إنّما الأعمال بالنيات . انظر : كنز العمال ، مصدر سابق : 7272 . ( 2 ) ربّما التعبير بالبعدية في قوله « ما بعدها » يُوهم بوجود مرتبة وجودية بعد عالم المادّة وهي مرتبة العدم ، وهو غير صحيح ؛ لأنّ العدم المحض هو بطلان / / محض ، فلا تحقّق ولا ثبوت له في الخارج قطعاً . نعم ، له حظّ من الوجود الذهني كمفهوم ، وهذا خارج عن محلّ البحث . ثمّ إنّ التعبير بالبعدية هنا تعبير مسامحي يُضطرّ إليه لضيق الخناق في التعبير ، وإلّا فإنّ البعدية الحقيقية الواقعة في ذيل عالم المادّة تعني العودة والسير نحو المبدأ . كما أنّ التعبير بالقبلية « ما قبلها » هو الآخر تعبير يُضطرّ إليه لضيق الخناق في التعبير ، لأنّ الله سبحانه « لا يُوصف بزمان ولا مكان » - بحار الأنوار : ج 1 ص 9 ح 30 باب 14 - وهو تعالى كما قال عنه أمير المؤمنين علي عليه السلام : كان ربّي قبل القبل بلا قبل ، وبعد البعد بلا بعد ، ولا غاية ولا منتهى لغايته ، انقطعت الغايات عنده ، فهو منتهى كلّ غاية . أصول الكافي : ج 1 ص 89 ح 5 . وهنا نودّ أن نُلفت النظر إلى نكتة مهمّة تتعلّق بلغة التعبير وإيصال المعارف وهي أنّ العرفاء والسُلّاك عندما يصلون إلى المعارف العُلوية يضيق بهم الخناق في مقام التعبير وإيصال ما تحقّقوا به إلى الآخرين ، ولذا يضطرّون إلى استعمال الرمز والإشارة للتعبير عن ذلك . وأمّا ما هو شائع من أنّهم أرادوا بذلك انحصار المعارف بمريديهم وخواصّهم فهو غير صحيح ؛ بدليل استعمالهم للغة الرمز والإشارة فيما بينهم ممّا يؤكّد لنا أنّ لغة الرمز والإشارة عندهم هي أصليّة يستعملونها بين الخواصّ والعوامّ ، ولذا لا يدرك البسطاء مفاد كلماتهم ، وإذا ما أدركوا شيئاً منها فإنّهم يرمونهم بأبشع التهم ، وما ذلك إلّا نتيجة جهلهم بمراداتهم ومقاصدهم . ستكون لنا وقفة أُخرى - في خاتمة الفصل الأول - نوضّح فيها المسألة بشكل أفضل ، علماً أنّ مقام إيصال المعارف عندهم يبدأ في سيرهم الثالث والرابع وسوف يأتي بيان ذلك فيما بعد .