السيد كمال الحيدري

59

مراتب السير والسلوك إلى الله

لقوله عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ . وعليه فما دام الشيء نازلا منه وهو عنده باق ، فإنّ نزوله يكون على نحو التجلّي . فالآية الكريمة تُثبت نزولًا لما هو باق عنده ولا ينفد ، وهكذا الحال في موارد أُخرى للنزول من قبيل قوله تعالى : أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا « 1 » وأيضاً في قوله تعالى : إنّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر « 2 » وقوله : مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إلَّا بِالْحَقِّ « 3 » ، فإنّ نزول القرآن ونزول الملائكة بل جميع الموجودات المجرّدة عن المادّة إنّما هو على نحو التجلّي . ويمكن تقريب هذا المعنى بمثال يُضرب عادة ، مفاده هو : أنّ المعلومة الكامنة في ذهن العالِم بها إذا ما أراد نقلها من ذهنه وتدوينها على الورق ، فلا شكّ أنّ الذهن لن يخلو منها بعد تدوينها ، وهذا يعني أنّ المعلومة قد صار لها وجود وظهور آخر وهو الظهور والوجود الكتبي بعدما كانت مقتصرة على وجودها الذهني . وهذا هو معنى النزول والانتقال على نحو التجلّي ، ونفس هذه الورقة التي دوّنت فيها المعلومة لو اقتطعت من الكرّاس أو الدفتر ووُضعت في مكان آخر ، فلاشكّ أنّ ذلك الكرّاس سوف يكون خلواً منها ، وهذا هو معنى التجافي . إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ النزول من العوالم العلوية إلى العالم السُفلي إنّما هو على نحو التجلّي ، ولذا فكلّ واحد منّا له وجود

--> ( 1 ) الرعد : 17 . ( 2 ) القدر : 1 . ( 3 ) الحجر : 8 .