السيد كمال الحيدري
53
مراتب السير والسلوك إلى الله
المشار إليه بقوله تعالى : قَابَ قَوْسَينِ « 1 » إلى مقام أحدية الجمع « 2 »
--> ( 1 ) النجم : 9 . ( 2 ) نحتاج في بيان المراد من هذين الاصطلاحين ، أعني مقام جمع الجمع ومقام أحديّة الجمع ، إلى مقدّمة هامّة مفادها : أنّ هنالك مقامات تقع في مراحل ومراتب السير والسلوك « العرفان العملي » يصل إليها الإنسان السالك ، منها مقام قُرب النوافل ، ومقام قُرب الفرائض ، ومقام الجمع بينهما دون القدرة على التحكم فيهما ، ومقام الجمع بينهما مع القُدرة على التحكّم فيهما كيف ومتى شاء الوصل إلى ذلك المقام . توضيح ذلك : أنّ الإنسان قد يدّعي - سواء أكان صادقاً أم كاذباً - أنّه مُحبّ لله تعالى ، وهي دعوى تجري على ألسنة الكثيرين ، وهي دعوى لا تهمّنا بشيء ، وإنّما المهمّ هو أن يكون العبد محبوباً لله تعالى ومقرّباً إليه ، وهو مقام المحبوبية ، حيث لا يكون العبد محبّاً لله فقط وإنّما هو محبوب من قبل محبوبه ، وما دام العبد محبوباً لله تعالى فهو في حصن حصين آمن من الخوف والحزن والفزع ، وفي الحديث القدسي : لا إله إلّا الله حصني ، فمن دخل حصني أمن من عذابي » ( توحيد الصدوق : ص 25 ، باب ثواب الموحّدين ، الحديث : 23 ) ، ومقام المحبوبية هذا إنّما يصل إليه المحبوب من خلال قرب النوافل أو قرب الفرائض ، بحسب ما عليه العبد من حال ومستوىً سلوكيّ . وقُرب النوافل فيه يكون الله تعالى عين العبد وسمعه ولسانه ، وهو الوارد في روايات وأحاديث قدسية ، أشهرها الحديث القُدسي المروي عن الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله ، ومن طرق الفريقين : وإنّه - أي العبد - ليتقرّب إليّ بالنافلة حتى أُحبّه ، فإذا أحببته كُنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يُبصر به ، ولسانه الذي ينطق به ، ويده التي يبطش بها ، إن دعاني أجبته ، وإن سألني أعطيته . ( أصول الكافي ، مصدر سابق : ج 2 ص 352 ح 7 ) . وعندئذ سوف تكون أعضاء وجوارح هذا المتُنفّل إلهية ، وفي هذا المقام يكون العبد المتنفّل قد أوجب النوافل على نفسه ، وهو مقام سام إلّا أنّ العبد يبقى على إنيّته - مأخذوة من « أنا » - فلا يبلغ مرتبة الفناء التامّ في الله تعالى ، وأمّا مقام قرب الفرائض - وهو أرفع من / / السابق - فإنّ العبد نفسه سوف يكون عين الله تعالى وسمعه ولسانه ويده ، وهو الوارد في الحديث القدسي المروي عن الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله : ما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالفرائض حتّى أحبّه ، فإذا أحببته صار سمعي و . . . . ( رياض الصالحين ، للنووي ص 63 ، دار ابن زيدون ، 1997 م ، بيروت ) . وعظمة المقام الثاني هو أن الله تعالى يُبصر ويسمع وينطق ويبطش من خلال هذا العبد الفاني فيه ، فيرضى الله لرضاه ويسخط لسخطه ويغضب لغضبه ، وهذا هو خلاصة مرتبة الفناء الأسمى في الله تعالى . ومن هنا يمكنك أن تفهم بوضوح قول الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله في حقّ الصديقة الكبرى ومَن دارت على معرفتها القُرون الأولى - الحديث - وهو : إنّ الله عزّ وجلّ ليغضب لغضب فاطمة ، ويرضى لرضاها - فرائد السمطين ، لأبي عبد الله الحموي الجويني ، تحقيق الشيخ محمّد باقر المحمودي : ج 2 ص 46 ، مؤسّسة المحمودي ، الطبعة الأولى ، 1398 ه - ، بيروت - وأروع من سجّل لنا هذا المقام الأرفع هو أمير المؤمنين عليه السلام حيث يقول : أنا علم الله ، وأنا قلب الله ، ولسانه الناطق ، وعين الله ، وجنب الله . . . - توحيد الصدوق ، مصدر سابق : ص 164 - ومن هنا لَكَ أن تفهم بوضوح قوله تعالى : أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ الله - الزمر : 56 - . واعلم أنّ العبد على رُقيّه في مقام قرب النوافل إلّا أنّه سوف يبقى على محدوديته ، لأنّ الله تعالى هو عين العبد ، وعين العبد محدودة متناهية ، بخلاف ما هو عليه في قُرب الفرائض فإنّ العبد يصير عين الله تعالى ، وعين الله غير متناهية ، فتدبّر في ذلك وافهم . فإذا عرفت كلّ ذلك فاعلم أنّ هنالك مقاماً آخر يصل إليه العبد وهو الجمع بين مقام النوافل ومقام الفرائض ، فإن جمع بينهما دون أن يكون قادراً على التحكّم فيهما كيفما يشاء فهذا هو المقام الثالث والمسمّى بمقام جمع الجمع ، فهو مقام الجمع بين المقام الأوّل والثاني ، ولكن دون أن تكون له القدرة على التحكمّ فيهما ، وإن أمكنه التحكّم فيهما كيفما شاء ومتى شاء ذلك فهذا هو المقام الرابع والأخير وهو المُسمّى بأحدية الجمع ، والمُسمّى أيضاً بمقام « أو أدنى » . / واعلم أنّ المقام الرابع - أحدية الجمع - هو خاصّية الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله بالأصالة ، ومقام أهل البيت عليهم السلام بالوراثة ، فليس لأحد دونهم عليه السلام الوصول إلى ذلك ، دون المقامات الثلاثة الأولى فمن الممكن الوصول إليها ، وهي مفتوحة لكلّ إنسان وإلى يوم القيامة . استفدنا هذا التوضيح من دروس في العرفان النظري لسماحة سيّدنا الأستاذ كمال الحيدري ، الدرس السادس 24 رجب 1423 ه - ، وقد أخذناه عنه مباشرة في محضر الدرس .