السيد كمال الحيدري
122
مراتب السير والسلوك إلى الله
بعبارة أُخرى : إنّ العبد ما دام في وجوده غير حقّاني - أي غير إلهي ؛ نظراً لبقاء تعلّقاته بعالم الدنيا - فإنّ غاية ما يمكنه الوصول إليه في سفره الأوّل هو المعرفة المتناهية المقيّدة لأنّه لم يصر بعدُ وجوداً حقّانياً لا متناهياً ، ولذا تبدأ عنده معرفة جديدة ومن نوع آخر وهو السير إلى المطلق اللامتناهي ، وما كان ذلك ممكناً لولا أنّ وجوده قد صار حقّانياً . أمّا عبارته رحمه الله فهي : « ويأخذ في السفر الثاني وهو من الحقّ المقيّد إلى الحقّ المطلق ، فيضمحلّ الهويّات الوجودية عنده ، ويستهلك التعيّنات الخلقية بالكلّية لديه . . . » « 1 » فيسافر السالك في الأسماء الإلهية الكلّية والجزئية وفي الصفات الإلهية بصفتها أعياناً خارجية لا مجرّد ألفاظ ، وقد تقدّم إيضاح ذلك ، فالاسم هنا ليس اسماً لغوياً وإنّما هو اسم معنويّ عرفانيّ موجود في الخارج . ولعلّك تسأل : كيف ينسجم هذا التعدّد في الوجود للأسماء والصفات مع أنّ الذات المسمّاة والموصوفة والفاعلة واحدة وتلك الأسماء والصفات عائدة إليها ، بمعنى أنّها عين الذات وليست أمراً زائداً على الذات ، كما هو المقُرّر في علم الكلام بحسب مباني مدرسة أهل البيت عليهم السلام ؟ الجواب : هو أنّ تلك الأسماء والصفات وإن كانت أعياناً خارجية مُتمايزة إلّا أنّها ليست وجودات أُخرى خارجة عن الذات الإلهية ،
--> ( 1 ) مصباح الهداية في الخلافة والولاية ، مصدر سابق : ص 88 .