السيد كمال الحيدري
83
مدخل إلى النظام المعرفي لآلية فهم القرآن
عن نفس المنهج ؛ فإنّ الوقوع في فوضى الأدلّة بسوقها كيفما اتّفق سوف يُفسد العمليّة الاستدلاليّة حتّى مع كون الأدلّة متقنة بحدّ ذاتها . إنّ الوقوف على موقع المنهج في العمليّة الاستدلاليّة عموماً ، وفى العمليّة التفسيريّة خصوصاً ، يكشف النقاب لنا عن الفوضى البحثيّة التي وقع فيها عددٌ كبير من أعلام المسلمين في مصنّفاتهم المختلفة وفى مختلف المجالات . وإذا جاز لنا تقسيم العُرف إلى عامّي وآخر خاصّي ، فإنّ نسبة كبيرة من مصنّفات علماء المسلمين قد سلك فيها أصحابها العرف الخاصّي في عرْض أفكارهم وأخذ النتائج عنها ، وهذا السير المعرفي غير الممنهج لا يُعفيهم من مسؤوليّة إعادة النظر في ما كتبوه ، فإنّ العُرف الخاصّي لا يُصحّح العمل به ، لعدم ارتكازه على ضوابط صحيحة ، ولذا نجد في أبحاث علم أصول الفقه مثلًا مجموعة غير قليلة من المسائل الفلسفيّة والكلاميّة والمنطقيّة والرجاليّة واللغويّة ، وهذا الاضطراب المنهجي نتج عنه مشكلات معرفيّة ليست قليلة ، كما وقفنا على ذلك في مباحث علم الأصول . ولا ريب أنّ هذه الفوضى المعرفيّة والانسياق وراء عُرف غير منهجيّ ، لم تخلُ منه العمليّة التفسيريّة في جميع مراحلها التاريخيّة ، سواء كان ذلك في مرحلة التأسيس النظري لها أو في مرحلة رصد وضبط مسائلها أو في مراحلها المتأخّرة التي أبرزت لنا عيّنات محدودة جدّاً ، حاولت جادّة أن تُمنهج أبحاثها وتسلك طريقة مُثلى في تقصّي الحقائق القرآنيّة ، ولعلّها قد نجحت بنسب مختلفة ، ولذا فهي وإن كانت محاولات ناجحة وجادّة إلّا أنّها لا زالت فتيّة في عالم التأسيس النظري للعمليّة التفسيريّة « 1 » .
--> ( 1 ) لاحظ : منطق فهم القرآن : ج 1 ، ص 41 - 43 ؛ المنهج التفسيري : ص 13 .