السيد كمال الحيدري

60

مدخل إلى النظام المعرفي لآلية فهم القرآن

بمعنى أنَّ مقتضى الآية هو إثبات كون العالم بالتأويل هو الله تعالى لا غير ؛ وهو علم ذاتيٌّ محض وليس علماً تلقينيّاً ، كما هو واضح . والشاهد على ذلك هو تصريح الراسخين في العلم بأنّهم مؤمنون بذلك ، أي بالمتشابه الذي لا يعلم تأويله إلّا الله تعالى ؛ وكم لهذه السياق من شاهد مُشابه في القرآن الكريم ، من قبيل قوله تعالى : وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ( يونس : 20 ) ، وقوله تعالى : قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ( النمل : 65 ) ، وقوله تعالى : عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً ( الجنّ : 26 ) ؛ الدالّ على نفي علم الغيب عمَّن سواه مطلقاً ؛ إلّا أنّه نفي بلحاظها ، بقطع النظر عن الآيات والروايات المتعلّقة بذلك ؛ وليس لأحد إنكار ذلك من الفريقين معاً ؛ وسرّ انحصار تأويله به تعالى هو كون التأويل ليس من مقولة الألفاظ ليتسنَّى للآخرين الوقوف عليه ، وإنّما هو حقائق عينيّة خزائنيّة ، وما الألفاظ إلّا تعابير سيقت لتقريب تلك الحقائق إلى الأفهام ؛ وقد تقدّمت الإشارة إلى ذلك . وأمّا إذا لوحظت الآية بمعيّة النصوص القرآنيّة والروائيّة المتعلّقة بذلك فالأمر مختلف تماماً ؛ ففي الآية الأخيرة ( الجنّ : 26 ) قد أُلحقت باستثناء ينفي مؤدّى الحصر وينفي مؤدّى السالبة الكلّية أو النفي الكلّي ؛ وهو قوله تعالى : إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ( الجنّ : 27 ) . وعليه فحصر العلم بتأويل القرآن بالله تعالى ونفيه مطلقاً عمَّن سواه بمقتضى الحصر ، مشروط بقصر النظر على الآية وحدها دون لحاظ آخر ؛ فالآية بصدد تقرير ثلاث حقائق ؛ الأُولى : إنَّ العالم بتأويل القرآن هو الله