السيد كمال الحيدري
44
مدخل إلى النظام المعرفي لآلية فهم القرآن
والصفة ، وبيِّن لذوي الصنعة بأنَّ أسماءه وصفاته ليست أُموراً اعتباريّة ، وإنّما هي وجود حقيقي تكويني ، وإلّا للزم والعياذ بالله تعالى انعدام الذات المقدّسة ، لعينيتها ، وهو ممنوع عقلًا ونقلًا . إذن ، فالخزائنيّة ليست وجوداً افتراضيّاً أو اعتباريّاً ، وإنّها ليست وجوداً تكوينيّاً مُنفكّاً عن الأسماء الإلهيّة ، وإنّما هي مُلتقى جميع الآثار الأسمائيّة ، فهي التجلِّي الأعظم لعلمه عند عود الآثار العلميّة إليها ، وهي التجلِّي الأعظم لرحمته عند عود الآثار الرحمانيّة إليها ، فلا يُتصَّور أثر لاسم من أسمائه الحسُنى إلّا وهو موصول بالخزائنيّة بوجوده الحقيقي لا بوجوده المادّي ، واقتران التأويل بالخزائن الإلهيّة يعني صيرورته حقيقة واقعيّة تستند إليها جميع البيانات القرآنيّة ، فهي الغيب الجامع لكلِّ شيء ، وهذه الجامعيّة لها صفة إطلاقيّة تُخرج الخزائنيّة عن الحدِّ والقدر المُعيَّنين ، ولذلك فهي في منأى عن الإحاطة بها من قبلنا ، بل : الأُمور الواقعة في هذا الكون المشهود ، المسجونة في سجن الزمان ، هي قبل وقوعها وحدوثها موجودة عند الله ، ثابتة في خزائنه نوعاً من الثبوت ، مبهماً غير مقدّر ، وإن لم نستطع أن نُحيط بكيفيّة ثبوتها . وهذا ما يترتّب عليه : أنّ هذه الخزائن الغيبيّة الإلهيّة بعضها فوق بعض ، فكلّ ما هو عال منها غيرُ محدَّد بما هو دانٍ . وبعبارة حكميّة : إنَّ تلك المراتب تنتظم حسب قاعدة العلّة والمعلول ، بحيث تكون المرتبة الدانية مقيّدة بقيدٍ عدميّ ، فاقدة لكمال ما ، على حين ليست المرتبة العالية التي علّتها مقيّدة بالقيد نفسه ، وإلّا لما كانت علّة والمرتبة الدانية معلولًا . وهذا كلّه إنّما يُمثّل الترجمة الفعليّة للمستوى البياني الأوّل الذي يترشَّح من قوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ