السيد كمال الحيدري

42

مدخل إلى النظام المعرفي لآلية فهم القرآن

العموم بسبب وقوعه في سياق النفي مع تأكيده ب - ( من ) : كلّ ما يصدق عليه أنّه شيء من دون أن يخرج منه إلّا ما يخرجه نفس السياق ، وهو ما تدلّ عليه لفظة ( نا ) و ( عنده ) و ( خزائن ) ، وما عدا ذلك مماّ يُرى ولا يُرى مشمول للعامّ » « 1 » . إنّ هذه الخزائنيّة الإلهيّة الواردة في الآية الشريفة بصيغة الجمع هي جميعاً فوق عالمنا المادّي المشهود بحكم انتسابها إلى ما عند الله ، ومن الواضح للعيان أنّ ما عند الله باقٍ وغير زائل البتّة ، بخلاف ما عليه الأشياء في هذه النشأة المادّية المحسوسة فإنّها متغيّرة فانية لا تتّسم بالثبات ولا البقاء « 2 » . وعلى أيّ حالٍ ، فتلك الحقيقة الواقعيّة الخارجيّة ذات المراتب الوجوديّة الكامنة في خزائن الله تعالى غير المشهود حسّاً هي الوجود العيني الذي يراد به التأويل . فالتأويل بحسب هذا القول الأخير من الرؤية الثانية ليس مرتبة معرفيّة سقفها عالم الألفاظ والمفاهيم والمعاني ، وإنمّا هو مرتبة وجوديّة واقعيّة خزائنيّة تقف خلف هذا الوجود اللفظي للقرآن الكريم ، ثمَّ إنّ التأويل لا تنحصر دائرته بآيات معيّنة كما قد يتوهّم البعض وإنمّا هو دائرة محيطة بالقرآن من بائه إلى سينه . إذا اتّضح لنا هذا المعنى الدقيق للتأويل فإنّه سوف يبرز أمامنا وجه وحجم الحاجة للتأويل بنحو لا يحتاج معه إلى تعليق أو توكيد ، ممّا يعني أنّ العمليّة التفسيريّة برمّتها سوف تفقد إستراتيجيتها إذا جاز التعبير وتجرَّد

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 12 ، ص 143 . ( 2 ) تأويل القرآن ، النظرية والمعطيات ، المرجع الديني السيد كمال الحيدري : ص 47 .