السيد كمال الحيدري
36
مدخل إلى النظام المعرفي لآلية فهم القرآن
ففرقة تتمسّك من القرآن بآيات للتجسيم ، وأخرى للجبر ، وأخرى للتفويض ، وأخرى لعثرة الأنبياء ، وأخرى للتنزيه المحض بنفي الصفات ، وأخرى للتشبيه الخالص وزيادة الصفات ، إلى غير ذلك ، كلّ ذلك اتّباعاً للمتشابه من غير إرجاعه إلى المحكم الحاكم فيه . وطائفة ذكرت أنّ الأحكام الدينيّة إنّما شرّعت لتكون طريقاً إلى الوصول ، فلو كان هناك طريق أقرب منها ، كان سلوكه متعيّناً لمن ركبه ، فإنّما المطلوب هو الوصول إلى الغاية بأيّ طريق اتّفق وتيسّر ، وأخرى قالت إنّ التكليف إنّما هو لبلوغ الكمال ، ولا معنى لبقائه بعد الكمال بتحقّق الوصول فلا تكليف لكامل . وقد كانت الأحكام والفرائض والحدود وسائر السياسات الإسلاميّة قائمة ومُقامة في عهد رسول الله ( ص ) لا يشذّ منها شاذّ ، ثمّ لم تزل بعد ارتحاله ( ص ) تنقص وتسقط حكماً فحكماً ، يوماً فيوماً بيد الحكومات الإسلاميّة ، ولم يبطل حكم أو حدّ إلّا واعتذر المبطلون : أنّ الدِّين إنّما شرّع لصلاح الدُّنيا وإصلاح الناس ، وما أحدثوه وابتدعوه أصلح لحال الناس اليوم ، فجاءت نظريّات : المصالح المرسلة ، والاستحسان ، والقياس ، ونحوها . حتّى آلَ الأمر إلى أن قيل : إنّ الغرض الوحيد من التشريعات الدينيّة هو إصلاح المجتمع الإنساني ، ومع اختلاف الشرائط الاجتماعيّة والاقتصاديّة والعلاقات التي تحكمها فإنّ تلك التشريعات غير قابلة للتطبيق ، بل تستدعي وضع قوانين ترتضيها المدنيّة الحديثة . إذا تأمّلت في هذه وأمثالها وهي لا تحصى كثرة وتدبّرت في قوله تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ( آل عمران : 7 ) لم تشكّ في صحّة ما ذكرناه ، وقضيت بأنّ هذه الفتن