السيد كمال الحيدري

30

مدخل إلى النظام المعرفي لآلية فهم القرآن

« ولا تُكشف الظلمات إلّا به » « 1 » ، وبذلك تبرز لنا أهمّية القراءة القرآنيّة وأهمّية التفسير الذي يعتبر أداة أوّليّة وضروريّة في إبراز وبيان القراءة القرآنيّة . إنّ ابتعاد الأمّة نسبيّاً عن لغتها ودينها وتراثها ليس هو الملاك الأوحد في توطيد العمليّة التفسيريّة والدعوة للاهتمام بها ، فإنّ هنالك عاملًا أهمّ من كلّ ذلك يحتاجه الإنسان المسلم في كلّ مكان وزمان وهو استجلاء الموقف القرآني في الرؤية الكونيّة الإلهيّة ، وبيان كيفيّة ارتكاز هذا الموقف على محور أساسي يُنطلق منه في جميع الجزئيات المعرفيّة للرؤية الكونيّة وهو معرفة الله سبحانه التي هي مرتبة معرفيّة أُخرى غير ما يُتداول في المصنّفات العقديّة والفلسفيّة من إثبات وجود الواجب وتوحيده . وسوف يجد المتتبّعُ السعيَ الحثيث في أبحاث آية الكرسي التفسيريّة نحو إبراز الهدف الأقصى من سائر المعارف الإلهيّة وأصل الخلقة والوجود وهو معرفة الله سبحانه ، فآية الكرسي تحاول أن تُوجز لنا ذلك الهدف المعرفي الغائي ، وسوف نُوضّح ذلك جليّاً عند الشروع في تفسيرها حيث سيتأكّد لنا آنذاك أنّ القرآن الكريم باعتباره طريقاً معرفيّاً إلى الله تعالى بصفته الكلّية يهدف إلى تحقيق البعد المعرفي الغائي الكامن في معرفة الله سبحانه ، وأنّ هذه المعرفة الغائيّة انبسطت في النصّ القرآني ابتداءً من بائه إلى سينه ، لينقطع بعدها السؤال عن حصول التحقّق المعرفي ، وحيث إنّ هذا الانبساط لا يتسنّى لكلّ أحد إلّا لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ( ق : 37 ) ، وكان ذا حظّ عظيم ، فقد وضعت علائم ودلالات عليه أوجزت لنا ذلك

--> ( 1 ) نهج البلاغة ، مرجع سابق : ج 1 ، ص 56 .