حميد مجيد هدو
91
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج)
مضمونه الروحي الإنساني العميق ، وربما يقود ذلك في نهاية المطاف إلى شيوع فهم للإسلام يتجاهل المنجزات والمكاسب المميّزة في الميراث العقلاني والروحي للدِّين ، ويختزله في ترسيمة قانونيّة سكونيّة صارمة ، مفرغة من رحابة الدِّين ، ومحتواه الإنساني الحيوي الشفّاف . وطالما دهشت من مثابرة السيّد كمال الحيدري وجديّته وحراكه المكثّف نهاراً وليلًا ، أيّام التحصيل الدراسي والتعطيل كما نقول في الحوزة العلميّة فهو إمّا يطالع ويحضر لدروسه ، أو يدرس ، أو يحاضر ، أو يكتب ، أو يتحدّث ويناقش في مباحث متنوّعة من المعارف الإسلاميّة المهتمّ بها . ومع أنّ علاقتي به تعود إلى ربع قرن تقريباً ، إلّا أنّني متى ما التقيته منفرداً أو بمعيّة جماعة ، يقودنا إلى نقاشات تمتدّ عدّة ساعات ، في القضايا الإشكاليّة في المعقول والعرفان وغيرهما . وفي شهر رمضان المنصرم 1426 ه ، كان مجموعة من العلماء والباحثين والدارسين في منزلنا ، مدعوين لوليمة إفطار ، وبضمنهم بعض أساتذة الفلسفة والعرفان في الحوزة العلميّة والجامعة ، وكان السيّد الحيدري حاضراً على مائدة الإفطار ، فاستدرجنا على مائدة الإفطار إلى مناقشات ، تناولت سلسلة من المسائل الفلسفيّة والعرفانيّة لمدّة سبع ساعات متوالية . وبالرغم من أنّ آراء السيّد الحيدري لم تفاجئني ؛ لأنّي سمعت معظمها منه في ما سبق ، لكن بعض الزملاء بهرتهم رؤيته ، وتبدى تفكيره لهم بنحو مختلف عن صورته التي تشكّلت في وعيهم ممّا سمعوه عنه قبل لقائه . فهذا المعمّم الذي يصفه البعض بأنّه متخلّف وخرافي ومغالي ، وتبدو مفهوماته شديدة النمطيّة والتحجّر ، تجلّت للزملاء آراؤه بشكل متنوّر ، وفوجئ الجميع بأنّه يمتلك رؤيا نقديّة مضيئة للتراث والواقع ، لا سيما وأنّ الحديث تمحور حول إشكاليّات دينيّة ومعرفيّة بالغة الحسّاسيّة والدقّة .