حميد مجيد هدو
86
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج)
وحين شرع بتدريس المنظومة كان عددنا في حلقة الدرس لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة ، وأوصاني بعض أساتذتي ، ممّن علم بحضوري ذلك الدرس ، بعدم إذاعة خبر حضوري على نطاق واسع . وكنت أتحسّس تكتّم زملائي وحذرهم وحرصهم وخشيتهم من أن يُشاع عنّا الانخراط في تعلّم الفلسفة ، ونحن في المراحل الأولى من دراستنا في الحوزة . وبالرغم من عراقة دراسة المعقول في النجف ، وتواصلها عشرات السنين ، إلّا أنّها اضمحلّت بالتدريج في النصف الثاني من القرن العشرين ، بعد مناهضة جماعة من الفقهاء لهذا النمط من التعليم . يكتب السيّد حسن النجفي القوچاني المتوفّى سنة 1363 ه في مذكّراته الهامّة ، عن الحياة الداخليّة للحوزة العلميّة ، نقلًا عن أستاذه في الفلسفة الشيخ محمّد باقر الاصطبهاناتي ، المقتول غيلةً سنة 1326 ه أنّه قال له : « إنّ همّي منحصر الآن في تدريس الفقه والأصول بعد نهاية شهر رمضان ، شريطة أن تعينني بعزيمتك ، فأنا قد اكتسبت من تدريسي للفلسفة اسم ( الحكيم ) الذي يعني مرتبة اللاأُباليّة وعدم التديّن والعلم ، ولهذا السبب ابتليت لسنين بالعزلة والفقر والحرمان والديون ، بينما أنا في الفقه والأصول مساوٍ على الأقلّ للآخوند يقصد الشيخ محمّد كاظم الخراساني والسيّد محمّد كاظم اليزدي ، وغيرهما ممّن لهم المقام العالي ، إن لم أكن أفضل . وكلّ ما حدث لي كان بسبب تركي لتدريس الفقه والأصول » « 1 » . ولم يكن الموقف من دراسة الفلسفة والعرفان في الحوزة العلميّة في مشهد آنذاك أفضل من النجف ، فقد ذكر السيّد النجفي القوچاني في موضع آخر من يوميّاته قائلًا : « درسنا شرح المطالع وشرح التجريد بصورة سريّة ،
--> ( 1 ) سياحة في الشرق ، السيّد النجفي القوچاني ، ترجمة : يوسف الهادي ، بيروت ، دار البلاغة ، 1992 : ص 231 .