السيد كمال الحيدري

8

كتاب المعاد (شرح الأسفار الأربعة لصدر الدين الشيرازي)

وإذا أصغى الخيّر لحظةً لوسوسةٍ تغريه بارتكاب قبيح ، وتزيّن له منكراً ، وتطمئنه من عين الرقيب والحسيب ، فهل يبقى مفسحاً المجال لتلك الوسوسة حتّى تؤثّر أثرها ، وتفعل فعلها ، وهو يعلم أنّ آخرةً تنتظره ، وأنّ كتاباً لا يغادر صغيرةً أو كبيرة إلّا أحصاها سوف يلقاه منشوراً ؟ ! ثمّ وأيّ معنىً لهذا الانجذاب الذي يعمّ كلّ بني الإنسان للبقاء والنفرة من العدم ، ثمّ لا مجال لبقاء ، ولا مطمع بدوام ؟ إذا أدْمنَ الإنسان الفِكْر في يومٍ تُبلى فيه السرائر ، ويحصّل فيه ما في الصدور من ضمائر ، فهل تتوقّع إلّا استقامة ورشاداً ، وإصلاحاً لما قد فسد ؟ هذه تساؤلات ، وهناك غيرها ، وما في معناها ، أفتتحُ بها بحثاً مختصراً تُرى فيه أهمّية مسألة مصير الإنسان بعد موته المحتّم ، وما يتعلّق بها من مسائل مثل إنكار عودة الإنسان ليحيا حياة أُخرى غير التي كان يحياها في نشأة الدُّنيا ، والدوافع التي أدّت إلى هذا الإنكار . وأمّا تفصيل الكلام فهو ما أخذه هذا الكتاب بأجزائه العدّة على عاتقه ، وتكفّله . مفتاح الجواب على هذه الأسئلة جميعها هو السير على هدى : « مَنْ عرف نفسه . . . » . فإذا اختصر الإنسان هويّته في هيكل حسّي لا ينفكّ عن التغيّر والتحوّل ، فهو لا شكّ سيصبح أسير حسرة وضيق وخيبة من مجيئه إلى هذا العالم . هذا إذا فُسح له المجال لكي يتفكّر في أمر العاقبة ، والمآل . وهو سرعان ما يصرف نفسه عن هذا الحديث دفعاً لتصوّر نهاية مأساويّة تؤلم نفسه ، وتكدِّر عيشه . وأمّا إذا رأى أنّ هويّته أجلّ من ذلك ، وأنّها خلقت لتبقى ، لا لتهلك وتفنى ، ثمّ راح يعمل بما تمليه عليه هذه الرؤية بما هي أهلٌ له ، جدَّ في العمل ، وتخيّر من الأعمال ما ينفعه في يوم يبعث فيه ليرى ما قدّمت يداه .