السيد كمال الحيدري
421
كتاب المعاد (شرح الأسفار الأربعة لصدر الدين الشيرازي)
النصّ الثامن : استغناء الجامع للقوى عن الآلات فإن قلتَ : ما الفرقُ بينَ العقلِ المفارقِ وبين النفسِ في هذه الجمعيّةِ ، حيث إنّ النفسَ احتاجتْ في الاتّصافِ بمعاني القوى من وجودِ آلاتٍ وأعضاء مختلفةٍ ، ولم يقعْ الاكتفاءُ بوجودِ ذاتِها من غيرِ تعدّدِ هذه القوى وموادِّها المختلفةِ وأعضائِها ، وأمّا العقلُ فلم يصحَّ له في صدورِ أفعالِه وظهورِ معانيه وحالاتِه حاجةٌ إلى موادَّ وآلاتٍ عديدة ؟ قلنا : صفاتُ العقلِ وكمالاتُه تنزلُ منه إلى الموادِّ الخارجيّةِ على سبيل الإفاضةِ والإيجادِ من غيرِ أن يتأثّرَ منها ، أو ينفعلَ ويستكملَ بسببِها ، وأمّا النفسُ فليس لها أن تستقلَّ بذاتِها وتتبرّأَ عن التغيّرِ والانفعالِ من خوادِمها وآلاتِها ، إلّا بعد أن تصيرَ عقلًا محضاً ليس له جهةُ نقصٍ ولا كمالٌ منتظرٌ ، وأمّا قبلَ ذلك فهي ذاتُ أطوارٍ مختلفةٍ تحتاجُ إلى كلِّها ، فتارةً في مقامِ الحسِّ والطبيعةِ ، وتارةً في مقامِ النفسِ والتخيّلِ ، وطوراً في مقامِ العقلِ والمعقول ، وهذا حالُها ما دامتْ متعلّقةَ الذاتِ بهذا البدنِ الطبيعيِّ ، فإذا انقطعتْ عن هذا العالمِ كان مقامُها إمّا المقامَ العقليَّ المجرّدَ إن كانت من الكاملينَ في العلم والعمل ، وإمّا المقامَ المثاليَّ الأخرويَّ إن لم يكن كذلك ، على اختلافِ أنواعِها ، بحسب غلبةِ الملكاتِ والأحوالِ وتصوّرِها بصورةٍ ما ، يناسبُها من الأنواعِ الأخرويّة .