السيد كمال الحيدري

413

كتاب المعاد (شرح الأسفار الأربعة لصدر الدين الشيرازي)

العرفاء الشامخين فمحمول على غير تلك المرتبة الأحديّة الغيبيّة » « 1 » . بعبارة أخرى : الذات أو حقيقة الوجود من حيث هي ، لا علاقة لها بما سواها بتاتاً ، وإنّما لها العلاقة كلّ العلاقة من حيث تعيّن من تعيّناتها وتجلٍّ من تجلّياتها ، وهي الأسماء الإلهيّة ، وبالتالي فليكن حال النفس وقواها كحال بارئها . فالنفس من حيث هي ، لا يصحّ نسبة أيٍّ من الآثار لها ، وتنسب إليها الآثار جميعها من حيث تعيّن من التعيّنات . فالتغذية مثلًا ، أثرٌ للنفس لا من حيث هي بل أثرٌ لها من حيث كونها ذاتَ تعيّن محدّد يصدر عنها هذا الأثر دون سواها . وليس أمر التجلّي والتعيّن حكراً على حقيقة الوجود ، بل كلّ ما عداها له هذا الحكم ، وذلك بحسب وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ( الحجر : 21 ) ، « فالغضب - مثلًا - حقيقة من الحقائق ، وهو في هذا العالم غليان دم القلب واحتراقه واسوداد الوجه وامتلاء العروق ، ونحوها . وفي عالم النفس حالة وجدانيّة مجرّدة عن هذه الصفات الجسمانيّة دعت النفس إلى التشفّي والانتقام ، وفي عالم العقل هو القاهريّة العقليّة ، كما هو شأن الأنوار القاهرة المفارقة ، وفي عالم الربوبيّة هو القاهريّة الوجوبيّة على كلّ الأنوار كما هو شأن نور الأنوار ، والباهريّة المضنية لكلّ الكثرات ، كما هو حكم أحديّة الواحد القهّار ، وقس عليه المحبّة والرحمة والخشية ونحوها . هذا مثال من الأحوال . وأمّا من العلوم ، فالبياض صورة علمه في البصر بطور ، وفي الخيال بنحو ، والعقلي بقسم واللاهوتي بطرز ، والذهن على أنهاج من الحسّي بالذات والخيالي والكلّي الفعلي والكلّي الطبيعي الصادق على جميع هذه المراتب » « 2 » .

--> ( 1 ) مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية ، السيد الخميني ، المشكاة الأولى ، المصباح الرابع . ( 2 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، حاشية الحكيم السبزواري : ج 9 ص 62 .