السيد كمال الحيدري

409

كتاب المعاد (شرح الأسفار الأربعة لصدر الدين الشيرازي)

الشرح لمّا استعرض المصنّف ( رحمه الله ) الآراء في المسألة ، وناقشها بما تستأهله من نقد وردّ ، أراد هاهنا أن يدلي بدلوه ، وأن يبني بعد أن هدم . لقد رأى ( رحمه الله ) وبكلمة مختصرة : إنّ النفس حقيقة واحدة ذات مراتب متعدّدة متفاوتة بالشدّة والضعف ، فهي مصدر تفاوت القوى وكذلك اشتراكه ، حيث إنّ النفس بدرجة تبصر ، وبمرتبة تسمع ، وبثالثة تحسّ و . . . الخ . فالنفس إذا تعيّنت بتعيّن وتنزّلت بمنزلة كانت قوّة من القوى . فالقوّة هي النفس متعيّنة ، والنفس هي القوّة بشرط عدم التعيّن . وهذا هو مشرب أهل الله تعالى في معرفة الوجود الحقّ وشؤونه الإلهيّة ، حيث إنّه حقيقة واحدة ذات مظاهر وتجلّيات . فالمظهر هو الحقّ بشرط التعيّن ، والحقّ هو المظهر بشرط عدم التعيّن ، إذن فالاتّحاد بين الظاهر والمظهر حقٌّ لا ريبَ فيه ، وإسناد فعل المظهر إلى الظاهر حقيقيّ لا مجاز فيه ، وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللّهَ رَمى . . . ( الأنفال : 17 ) ، فإذا لم يكن اثنينيّة حقيقيّة ما بين النفس والقوى . فإسناد أفعال القوى للنفس إسناد حقيقي لا مجال للمجاز فيه ، وهذا ما يوافق الوجدان . هذه هي نتيجة النصّ ، وهي نظريّة المصنّف ( رحمه الله ) في المسألة ، وقد قدّم لها مقدّمات عدّة ، لا بأس بذكرها مع شيء من التوضيح والإشارة ، وهي مقدّمات تقدّم ذكرها في ثنايا هذا الكتاب الكبير في أجزائه المتعدّدة : 1 - كلّما كان الوجود بسيطاً منزّهاً عن التركيب ، كان أكثر جمعاً للكمالات ، لذا فقد قيل : بسيط الحقيقة كلّ الأشياء . 2 - عوالم الإمكان ثلاثة : عالم العقل ، والقدس ، وهو العالم المنزّه عن المادّة وآثارها ، وهو مصون عن مطلق الكثرة .