السيد كمال الحيدري
347
كتاب المعاد (شرح الأسفار الأربعة لصدر الدين الشيرازي)
النصّ الثالث : تذكرة فيها تبصرة اعلمْ أيّها السالكُ إلى اللهِ ، الراغبُ إلى دار كرامتِه بقوّةِ الحدس ، أنّك قاصدٌ إلى ربِّك صاعدٌ إليه منذُ يوم خُلقتَ نطفةً في قرارٍ مكين ، وربطتْ بها نفسُك ، تُنقلُ من أدون حالٍ إلى حالٍ أكملَ ، ومن مرتبةٍ هي أنقصُ إلى مرتبةٍ هي أعلى وأحكمُ ، وإلى درجةٍ هي أرفعُ وأشرفُ ، إلى أن تلقى ربَّك وتشاهدَه ، ويوفّيك حسابَك ، ويوزن حسناتك أو سيّئاتك ، فتبقى عندَه ، إمّا فرحانةً مخلّدةً ، أبداً سرمداً مع النبيّينَ والصدِّيقينَ والشهداء والصالحين ، وحسُنَ أُولئك رفيقاً ، وإمّا محزونةً متألّمةً خاسرةً مُعذّبةً بنار الله الموقدةِ التي تطّلعُ على الأفئدةِ ، مع الكفرةِ والشياطينِ والفجرةِ والمنافقينَ ، فبئس القرينُ . ونحنُ قد بيّنا من قبلُ أنّ جميعَ الموجوداتِ التي في هذا العالم في السلوكِ إلى الله تعالى ، وهم لا يشعرون ، لغلظةِ حجابِهم ، وتراكُمِ ظلماتِهم ، لكنّ هذه الحركةَ الذاتيّةَ ، وهذا السيرَ إلى الله تعالى في الإنسان أبينُ وأظهرُ ، سيّما في الإنسانِ الكاملِ الذي يقطعُ تمامَ هذه القوسِ الصعوديّةِ التي كنصفِ دائرةٍ مِن الخلقِ إلى الحقِّ ، وكما يعرفُه أهلُ الكشفِ والشهودِ من العلماءِ الذين لم تعمَ أبصارُهم الباطنيّةُ عن إدراكِ حقائقِ الأشياءِ كما هي عليها ، بغشاوةِ التقليدِ والافتراءِ ، وحجبِ الهوى والدّنيا ، وذلك فضلُ اللهِ يؤتيه مَن يشاء .