السيد كمال الحيدري

9

في ظلال العقيدة والأخلاق

يتعلّق بحقّ الله تعالى ، كما ذكره الزمخشري في الكشّاف « 1 » . والآية دالّة على وجوب العفو عنهم ؛ لقوله : فَاعْفُ عَنْهُمْ ولكن لمّا آل الأمر إلى الأمّة لم يوجبه عليهم ، بل ندبهم إليه ، فقال تعالى : وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ « 2 » ليعلم أنّ حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين . وكيفما كان فهذه الآية المباركة تدلّ دلالة واضحة أنّ من أهمّ قواعد وأُصول تبليغ هذا الدين القيّم ، هو التحلّى بهذا الخُلُق الإلهى الرفيع ، لأنّ الناس في حاجة إلى كنف رحيم ، وإلى رعاية فائقة ، وإلى بشاشة سمحة ، وإلى ودّ يسعهم ، وحلم لا يضيق بجهلهم وضعفهم ونقصهم ، في حاجة إلى قلب كبير يعطيهم ولا يحتاج منهم إلى عطاء ، ويحمل همومهم ولا يعنيهم بهمّه ، ويجدون عنده دائماً الاهتمام والرعاية والعطف والسماحة والودّ والرضاء . . . . وهكذا كان قلب رسول الله ، وهكذا كانت حياته مع الناس ، ما غضب لنفسه قطّ ، ولا ضاق صدره لضعفهم البشرى ، ولا احتجز لنفسه شيئاً من أعراض هذه الحياة ، بل أعطاهم كلّ ما ملكت يداه في سماحة ندية ، ووسعهم حلمه وبرّه وعطفه وودّه الكريم .

--> ( 1 ) الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل وهو تفسير القرآن الكريم للإمام جار الله محمود بن عمر الزمخشري ، المتوفّى سنة 528 ه ، ج 1 ص 431 . ( 2 ) آل عمران : 134 .