السيد كمال الحيدري

63

في ظلال العقيدة والأخلاق

وكمال القوّة الغضبية فهو أن يصير انقباضها وانبساطها على حدّ ما تقتضيه الحكمة ، وكذلك القوّة الشهوية ، فحسنها وصلاحها في أن تكون تحت إشارة الحكمة - أعنى إشارة العقل والشرع - . فإن مالت قوّة الغضب عن الاعتدال إلى طرف الزيادة تسمّى تهوّراً ، وإن مالت إلى الضعف والنقصان تسمّى جبناً وخوراً ، وإن مالت قوّة الشهوة إلى طرف الزيادة تسمّى شرهاً ، وإن مالت إلى النقصان تسمّى جموداً . ولمّا كانت كلّ قوّة من هذه القوى الثلاث ، ترغب بأشياء وتطالب بها وتدفع بالإنسان إلى تحصيلها ، حتّى لو كانت على خلاف مصلحة القوّتين الأُخريين ، فلا حدّ مثلًا للأكل الذي تطالب به القوّة الشهوية ، حتّى لو أثّر ذلك على قوّة الإنسان الفكرية ، وأدّى إلى خموله وضعف فكره ، من هنا يقع التزاحم بين هذه القوى ، وتقع المعركة الكبرى في مملكة النفس ، وإلى هذا أشار الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله حين خاطب القوم الذين رجعوا من الجهاد بقوله : « مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقى عليهم الجهاد الأكبر . قيل : يا رسول الله ، وما الجهاد الأكبر ؟ قال : جهاد النفس » « 1 » . وما ذلك إلّا لأنّ المعارك الخارجية الجهاد الأصغر ذات أمد محدود تنتهى به ، وتبقى المعركة الداخلية الجهاد الأكبر مصاحبة للإنسان إلى آخر لحظة من لحظات حياته ، ما دامت له شهوة وغضب وعقل .

--> ( 1 ) الفروع من الكافي ، الكليني : ج 5 ص 12 ، باب وجوب الجهاد ، الحديث : 3 .