السيد كمال الحيدري

80

فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)

وعن حقيقة الأدران الحاصلة والأوساخ العارضة للمرآة القلبية بسبب التعلّقات الدنيوية أخبر الله تعالى بقوله : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ « 1 » وبقوله : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ « 2 » وبقوله : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ « 3 » وغير ذلك من الآيات : وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ « 4 » « 5 » . فمثل أهل النظر والاستدلال في تحصيل المعارف ، وأهل المكاشفة والتصفية في مشاهدة الحقائق ، كمثل أهل الروم والصين في صناعتهم للتصوير الذي حكاه الغزالي في إحياء العلوم عنهم ، وهو : « إنّ أهل الروم قاموا وتوجّهوا إلى سلطان الصين ودخلوا عليه وقالوا : نحن جئنا من الروم في دعوى مع أهل الصين في صناعتهم التي هم مشهورون بها ، أعني صنعة النقش والتصاوير . فقال لهم السلطان : فكيف نعرف صنعتكم وصنعتهم ؟ فقال أهل الروم : عيّن لنا موضعين بحيث ما يطّلع أحد منّا على الآخر حتى نعمل صنعتنا ، فذاك الوقت أنت تحكم بيننا . فعيّن لهم السلطان صفّة كبيرة ، وحال بينهما بستر مانع فصل كلّ واحد منهما عن الآخر . فاشتغل كلّ منهما بنقش حائط من حيطان الصفة ، فأهل الروم لمّا عرفوا مهارة أهل الصين وصناعتهم وتحقّقوا أنّهم ليسوا من

--> ( 1 ) المطففين : 14 . ( 2 ) البقرة : 7 . ( 3 ) البقرة : 10 . ( 4 ) العنكبوت : 43 . ( 5 ) جامع الأسرار ، مصدر سابق : ص 535 .