السيد كمال الحيدري

334

فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)

الدليل الثاني : « لو كانت النفس قبل البدن ، فلا يخلو إمّا أنّها كانت بحسب جوهرها عقلًا صرفاً ثمّ عرضت لها النفسيّة ، أو كانت نفساً دائماً ، وكلاهما ممتنع ، ففي الأوّل يلزم في عالم العقل حدوث صفة وسنوح حالة لم تكن من قبل ، وفي الثاني يلزم كونها معطّلة ولا معطل في الوجود » « 1 » . ومحصّل أدلّته في كون النفس جسمانيّة الحدوث روحانيّة البقاء هو حاجة النفس إلى البدن لكون المجرّد المحض يحتاج في الاستعداد والحركة إلى أمر يكون في ذاته القوّة ، وهذا ليس سوى المادّة الجسمانيّة ، فالنفس إذن تحتاج إلى المادّة الجسمانيّة . وهي لو كانت قبله لكانت إمّا موجودة في بدن آخر وهذا باطل لاستلزامه التناسخ وهو باطل ، وإمّا أن تكون مفارقة لكلّ الأبدان وهذا يلزم منه تحقّق التغيّر الزماني في غير المادّه ، وهذا أيضاً باطل . من هنا استطاع أن يحلّ المشكلة المتعلّقة بحقيقة الموت حيث ذهب إلى القول بأنّ النفس كانت تحتاج إلى البدن في مرحلة من مراحلها وبعد أن استغنت وصلت إلى مرحلة كمالها التي تشعر معها أنّها لا تحتاج إلى البدن ، وعند ذلك تترك البدن وتخرج فتستطيع عند ذلك أن تنجز أفعالها بلا مادّة . ومن هنا أيضاً حُلّت مشكلة أخرى كانت مستعصية في الطبّ القديم حيث كانت هناك مجموعة من النظريّات ومنها تلك النظريّة التي تفسّر الموت وحقيقته بأنّ النفس الإنسانيّة إنّما تترك البدن لخرابه ، فالبدن عندما يخرب لا تستطيع النفس أن تستقرّ فيه فتتركه ، وكانت هذه النظريّة هي الشائعة والمتعارف عليها قبل صدر المتألّهين . ثمّ جاء هذا الفيلسوف الكبير وعكس المطلب ونفى الارتباط والتعلّق

--> ( 1 ) المبدأ والمعاد ، مصدر سابق : ص 380 379 .