السيد كمال الحيدري
332
فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)
للبدن ، وتبقى بعد البدن إذا بلغت الكمال » « 1 » . وإنّما قال صدر المتألّهين بذلك ليتخلّص من مشكلة الاقتران بين المجرّد والمادّي . وهو لا يعني بذلك أنّ النفس الإنسانيّة مادّية محضة ، بل مراده أنّ هذه النفس الإنسانيّة التي بدأت مادّية ثمّ بالحركة الجوهريّة انتقلت من عالم المادّة إلى عالم التجرّد . فهذه النفس تبدأ مادّية ثمّ بحركة جوهريّة تكون مجرّدة ، وبعد تجرّدها تصل إلى مرحلة لا تحتاج معها إلى البدن لإنجاز أفعالها فتترك البدن . فإذن أوّل وجودها مادّية ، وفي وسط وجودها يقول بأنّها مجرّدة تجرّداً ناقصاً ، بمعنى أنّ النفس صارت مجرّدة ولكن في مقام أفعالها تبقى محتاجة إلى البدن ، ولهذا عندما تريد أن تكون خارج الغرفة تحتاج إلى البدن لينقلها إلى خارج الغرفة ، وهذا ما نسمّيه أنّها مجرّدة في مقام ذاتها ولكنّها مادّية في مقام فعلها ، وبعد هذه المرحلة وهي المرحلة الثالثة للنفس تكون النفس مجرّدة ذاتاً وفعلًا وتستطيع أن تنجز أعمالها بلا احتياج إلى المادّة ، وإذا وصلت إلى هذه المرحلة يتحقّق الموت . فلا ينبغي أن نستغرب من قول صدر المتألّهين في كون المادّة من مراتب النفس ؛ لأنّ هذا الاستغراب سرعان ما يزول بعد التصوّر الدقيق للعلاقة بين المادّة والنفس ، فالمادّة أي البدن محلّ والنفس من حيث اعتبارهما لا بشرط يحمل أحدهما على الآخر حملًا صحيحاً ، والحمل الصحيح يكشف إنّاً عن وجود جهة اتّحاد بين الطرفين ، وما هذه الجهة إلّا الوجود حيث يتّحد البدن مع النفس وجوداً ، وأمّا التغاير بينهما فهو بضرب من الاعتبار
--> ( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة : ج 8 ، ص 347 346 .