السيد كمال الحيدري
324
فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)
ومن المعلوم أنّ السؤال الصحيح نصف الجواب . وعلى كلٍّ فإنّ ما تراه الفلسفة الإسلاميّة الصحيحة أنّ في الإنسان بلا إشكال ولا شبهة بُعداً ثابتاً ، وبُعداً متغيّراً ، والبُعد المتغيّر هو هذا الذي نجده في جسمه ومادّته حيث نرى أنّ الخلايا في تغيّر دائم ، وفترات تغيّرها تحدّدها العلوم الطبيعيّة الحديثة ، ولا يوجد أيّ ثبات في هذه الخلايا أو المادّة التي تقع تحت مشرحة العلوم الطبيعيّة . وأمّا البُعد الثابت الذي لا يتغيّر فهو الذي يُعبّر عنه الإنسان منذ أن التفت إلى نفسه فيقول « أنا » سواء أكان عمره خمس سنوات أو عشر أو بلغ الخمسين أو المئة سنة فيظلّ يقول : « أنا » ، وحتّى لو فرضنا أنّ عمره أصبح ألف سنة فأيضاً يقول « أنا » ، مع أنّ هذا الضمير ال « أنا » لو بحثنا عن مرجعه فمن اليقين أنّنا لا يمكن أن نقول بأنّه هو هذه المادّة لأنّها في تغيّر دائم ومستمرّ ، وفي زوال وحركة مستمرّة . فهذا الذي يشير إليه كلّ واحد منّا ب « أنا » ليس هو البُعد المتغيّر فيه ، وإنّما هناك البُعد الثابت ، وهذا هو الذي جاء في الاصطلاحات الفلسفيّة بعنوان « النفس » في مقابل « البدن » ، وليس المراد من تعبير النفس والبدن أنّ هناك وجودين وقد التصق أحدهما بالآخر فيكون أحدهما نفساً والآخر بدناً . هذه المشكلة ونعني بها مشكلة العلاقة بين الثابت والمتغيّر وارتباط الثابت بالمتغيّر هي نفسها التي أشرنا إليها في الرؤية الكونيّة عن المشكلة المطروحة بأنّ العالم متغيّر وعلّة المتغيّر لابدّ وأن تكون متغيّرة ، فكيف تكون ثابتة ، وكلامنا هنا يفيد بأنّ هذه الإشكاليّة ليست مرتبطة بالرؤية الكونيّة فقط ، وإنّما نجد لها بُعداً في الرؤية الفلسفيّة وبنفس النظرة .