السيد كمال الحيدري
318
فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)
أبصرت تكون النسبة أيضاً حقيقيّة ، لأنّي أنا والباصرة شيءٌ واحد ، ولكن الباصرة مرتبة من مراتب النفس ، والنفس لها هذه المرتبة ، ولها مراتب أخرى . وهذا ما يُعبِّر عنه الحكيم السبزواري في هذا البيت من الشعر : النفس في وحدتها كلّ القوى وفعله في فعلها قد انطوى وما ذهب إليه صدر المتألّهين في نظريّته عن النفس مصدره ومنبعه القرآن الكريم حيث يقول في عمليّة التوفّي : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ « 1 » فهنا ينسب الفعل إلى الله تعالى ، ولكن في آية أخرى يقول : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا « 2 » فينسب التوفّي إلى الرُّسل ، وفي آية ثالثة ينسب التوفّي إلى ملك الموت : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ « 3 » . والنسبة في كلّ واحدة هي نسبة حقيقيّة ، لأنّ الله سبحانه وتعالى ليس هو الفاعل البعيد ، وملك الموت هو الفاعل القريب ، كما تقول النظريّة المشّائية التي كانت تفترض أنّ الله تعالى فاعل بعيد ، وتفترض أنّ ملك الموت فاعل قريب ، فصدر المتألّهين نفى ذلك كلّه وقال بأنّ هذه الأنظمة تعمل ضمن سنّة كونيّة ، ولكنّها مع ذلك هي فِعل الله سبحانه وتعالى . وهذا معنى القول بأنّه لا تنافي بين أن تكون السنّة كونيّة ولا تتخلّف السنّة ، ومع ذلك هي فعل الله ، ولا يقع شيء إلّا بإذنه سبحانه وتعالى . والرياح التي تلقّح ضمن نظام دقيق لا يختلف ولا يتخلّف وَلَنْ تَجِدَ
--> ( 1 ) الزمر : 42 . ( 2 ) الأنعام : 61 . ( 3 ) السجدة : 11 .