السيد كمال الحيدري

316

فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)

والشيخ الرئيس كان يقول بأنّ النفس مجرّدة في مقام ذاتها ، ولكنّها في مقام الفعل تحتاج إلى المادّة ، أمّا صدر المتألّهين فرأى بأنّ النفس في أوّل وجودها لا تكون مجرّدة ، بل تكون مادّية ذاتاً وفعلًا ، وفي مرحلة القوى الطبيعيّة ( أي الهاضمة والدافعة والجاذبة ) تقوم بأعمالها ، وتنجز أعمالها مباشرةً وليس بواسطة القوى التي تخدمها ، والنفس بحركة جوهريّة تتكامل فتكون مجرّدة في مقام الذات ومادّية في مقام الفعل ، فتنجز أعمالها في هذه المرتبة ، وهكذا إلى أن تصل إلى المرتبة الثالثة فتنجز أعمالها . بعبارة واضحة : النفس حقيقة واحدة ولكن لها مراتب متعدّدة ، وفي كلّ مرتبة هي تنجز أعمالها بنفسها ، ولكن بما ينسجم مع تلك المرحلة . وهذا ما بيّنه صدر المتألّهين في كتابه « كسر أصنام الجاهليّة » حيث يقول : « إنّ النفس مع وحدتها وتجرّدها ، يصدر منها لذاتها جميع الأعمال والتحريكات البدنيّة الحيوانيّة والطبيعيّة ، حتّى الجذب والدفع الطبيعيّين ، كما يصدر عنها كذلك جميع الأفعال والانتقالات العقليّة . ولا دخل لقواها وآلاتها في تأثيراتها ، بل هي معدّات ومخصّصات لأفاعيلها ، وجهات مكثّرات لآثارها الصادرة عن وحدانيّة ذاتها ، بل لها نحو تنزّل في مرتبة القوى ، وضرب اتّحاد بالآلات ومقتضياتها . فهي بحسب كلّ قول وفعل وعمل ، تصير في مرتبة آلة ذلك القول أو الفعل والعمل ، فتكون عند فعل الإبصار باصرة وعند الاستماع سامعة ، وعند التحريك قوّة محرّكة وعند الشهوة بهيميّة ، وعند الغضب سبعاً ، وعند إدراك المعقولات ملكاً عقلانيّاً ، وعند تحرى القوّة العمليّة في الخيرات والمصالح مَلِكاً عمليّاً . فإذا تمرّنت في عمل من الأعمال صارت بحيث يغلب عليها خاصّية ذلك العمل ويصعب عليها الانتقال منه ، ما لم يكن قبل ذلك بهذه الصعوبة ، ويكون حكمها