السيد كمال الحيدري

264

فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)

ولكن تبقى المشكلة أنّ هذا الإنسان لم يُجرِم إلّا سبعين عاماً أو مئة عام ، فلماذا لابدّ أن يُعذّب إلى الأبد ؟ وقد حلَّ صدر المتألّهين هذه الإشكاليّة وفقاً لمبانيه : بأنّ الإنسان عندما يقوم بعمل ما فإنّ هذا العمل يتّحد معه . وهذه مقدّمة أولى ، بناءً على الحركة الجوهريّة بأنّ العامل يتّحد مع عمله ، فيكون العامل نفس ذلك العمل . والمقدّمة الثانية : إنّ الأعمال ستتجسّم يوم القيامة ، فالعمل الخبيث سيكون ناراً ، لا أنّ الإنسان يدخل إلى النار إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً « 1 » . فهذا العمل ظاهره أكل مال اليتيم ، ولكن باطنه هو أكل النار ، وهذا العمل سوف يظهر يوم القيامة يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ « 2 » . ولتوضيح المسألة نضرب هذا المثال : لو نظرت إلى قطعة من الفحم الأسود ، فهذا الفحم لونه أسود ، ولكنّه عندما يجتذب النار إليه يكون جمراً ، ثمّ يكون بعد ذلك هو النار بعينها ، ويصبح بعد الحرارة هو منشأ لتلك الحرارة ، فلو افترضنا أنّ هذه القطعة من الفحم الأسود كانت موجوداً له شعور وعلم ، فهل سيتألّم ؟ نعم ، هذا الموجود بالتأكيد سوف يتألّم ، وهو في السابق قبل أن يتّحد مع النار وقبل أن يكون ناراً كان لا يتألّم . ونقيس الأمر على الإنسان الذي صار بعمله ناراً ، وذاته صارت النار ، فلابدّ أن يتألّم بما فعل ، وهذه النار لا تنطفئ ( بما يناسب فعل الإنسان

--> ( 1 ) النساء : 10 . ( 2 ) الطارق : 9 .