السيد كمال الحيدري
260
فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)
لأُنسه بنار جهنّم ، من قبيل ذلك الموجود الذي لا يستذوق الروائح الكريهة ، ولكن عندما يعيش مدّة طويلة في أجواء الروائح الكريهة فعند ذلك يتكيّف معها بنحو لا يتأذّى منها ، وهذا الأمر له مصاديق كثيرة في الواقع الخارجي . فكلام ابن عربي ليس فيه نفي لدخول الكافر إلى النار ، وهو معتقد بخلوده فيها خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ولكنّه يعتقد بأنّ نار جهنّم بعد مدّة تكون عذباً لهم يعتادون عليها ، فيستأنسون بها ولا يتألّمون بنار جهنّم ، وتبع ابن عربي على هذا الرأي تلميذه وربيبه وناشر أفكاره صدر الدِّين القونوي . يقول ابن عربي في الفتوحات المكّية : « ولابدّ لأهل النار من فضل الله ورحمته في نفس النار ، بعد انقضاء مدّة موازنة أزمان العمل ، فيفقدون الإحساس بالآلام في نفس النار ، لأنّهم ليسوا بخارجين من النار ، فلا يموتون فيها ولا يحيون ، فتتخدّر جوارحهم بإزالة الروح الحسّاس منها . وثمّة طائفة يعطيهم الله بعد موازنة المدد بين العذاب والعمل نعيماً خياليّاً ، مثل ما يراه النائم وجلده ، كما قال تعالى : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ « 1 » . فزمان النضج والتبديل يفقدون الآلام ، لأنّه إذا انقضى زمان الإنضاج خمدت النار في حقّهم ، فيكون في النار كالأُمّة التي دخلتها ، وليست من أهلها ، فأماتهم الله فيها إماتة ، فلا يحسّون بما تفعله النار في أبدانهم » « 2 » . ويقول أيضاً : « وأمّا أهل النار فمآلهم إلى النعيم ، ولكن في النار إذ لابدّ
--> ( 1 ) النساء : 56 . ( 2 ) الفتوحات المكّية ، تحقيق : إبراهيم مدكور وعثمان يحيى : ج 4 ، ص 403 .