السيد كمال الحيدري

196

فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)

وجوده ، ولو لم يكن هو في هذا الزمان لما أمكن أن يكون هو ، فمثلًا لو رجعنا إلى صدر المتألّهين فلا يمكننا أن نسلخه عن زمانه ونأتي به إلى زماننا ، لأنّ الزمان ليس ظرفاً له ، بل الزمان جزء من حقيقته ، وإذا جاء موجود في هذا الزمان ونحن نعتبر أنّه صدر المتألّهين ، فلن يكون هو الذي وجد في هذا الزمان ، بل موجود آخر له أنحاء أخرى ، وله وجود آخر ، وله خصوصيّات أخرى . والحاصل : أنّ صدر المتألّهين يعتبر الزمان مقدار الحركة الجوهريّة ، فالطبيعة السيّالة لها امتدادات أحدهما تدريجيّ قابل للقسمة الوهميّة إلى المتقدّم والمتأخّر ، والآخر دفعيّ بالنسبة لمقدار الامتداد بنسبة المتعيّن إلى المبهم ، إذ الزمان من العوارض واللوازم التحليليّة للوجود السيّال ، وعروضه كعروض الأعراض الخارجيّة على معروضاتها ، ولا يوجد له وجودٌ مستقلّ عن منشأ انتزاعه الذي هو الوجود السيّال « 1 » . بتعبير آخر : إنّ صدر المتألّهين يرى أنّه بالإضافة إلى وجود الأبعاد الثلاثة في الجسم ، فإنّ الجسم متحرّك بحركة جوهريّة ، وجوهره ليس ثابتاً ، وإنّما في حركة دائمة ، وإذا كان متحرّكاً فهذا يعني أنّ كلّ موجود في هذا العالم ليست له أبعاد ثلاثة ، بل له بُعدٌ رابع وهو الحركة . وهذه الحركة لابدّ من تعيين مقدارها ؛ لأنّ الحركة « كمّ » فهي تبدأ من مكان وتنتهي في مكان ، وذلك كحركة الإنسان من بيته مثلًا إلى مكان معيّن ، فهذه تمثِّل مقداراً من الحركة ، وهذا المقدار من الحركة نسمّيه « كمّاً » ، وإذا أردنا أن نعيّن هذه الحركة في هذا الكمّ نقول : أيّ مقدار يوجد لهذه الحركة ؟ وهذا يأتي في

--> ( 1 ) راجع الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، مصدر سابق : ج 3 ، ص 141 وما بعدها .