السيد كمال الحيدري
19
فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)
الكلام أيضاً . فعندما نتكلّم عن المدارس والمسالك المختلفة التي وجدت على مسرح الفكر الإنساني لتكوين هذه الرؤية الكونية أو تلك ، إنّما ينحصر حديثنا في المقام الأوّل من البحث ، وهو السبيل للوقوف على حقائق الأشياء . وهنا اختلف الفلاسفة والعرفاء والمتكلّمون فيما بينهم ، حيث اختار كلّ فريق طريقاً ومنهجاً للوصول يختلف عن الآخر ، فتعدّدت الرؤى واختلفت ؛ من فلسفية وكلامية وعرفانية . لعلنا نوفَّق بإذن الله وعنايته لوضع دراسة مفصّلة تبيّن لنا تفاصيل هذه المدارس التي وجدت على مسرح الفكر الإنساني في تاريخه الطويل ، ثمّ بيان ما هو الحقّ الذي لابدّ أن يُتّبع ؛ لأنّ الحقّ أحقّ أن يتّبع . ولكن ما لا يُدرك كلُّه لا يُترك جلُّه . ولهذا سوف نقتصر في هذا الكتاب على ذكر إجمالي لأصول هذه المدارس الفكرية والعقائدية . وسيتّضح لنا أنّ هذه المدارس الفكرية تتّفق على الأغلب في البحث الثاني ، حيث تحاول بأجمعها الاستعانة بالأسلوب والمنهج العقلي لإيصال هذه الحقائق إلى الآخرين ، وإن كان التوفيق قد حالف بعضها وجانب بعضها الآخر ، كما سيتّضح ذلك في البحوث اللاحقة إن شاء الله تعالى . والضابط الذي ذكره المحقّقون لهذا التقسيم هو ما أشار إليه الحكيم السبزواري « 1 » ؛ قال : « ووجه ضبط افتراق أهل العلم والمعرفة إلى المتكلّم
--> ( 1 ) الحكيم السبزواري هو الفيلسوف هادي بن مهدي السبزواري ، ولد عام 1212 ه ، وتوفّي عام 1295 ه . ويعتبر من أشهر فلاسفة الشيعة الذين ظهروا في القرن الثالث عشر الهجري ، درس على يد الشيخ أحمد الإحسائي . . . وتخرّج عليه عدد كبير من المتضلّعين بالفلسفة والحكمة والمنطق . / / معظم مؤلفات السبزواري في الفلسفة ، وقد أوردت لنا المصادر بعضاً منها ، وهي : أسرار الحكمة في الفلسفة ودقائق المعارف ، ورسالة الأجوبة الأسرارية ، وشرح دعاء الجوشن الكبير ، ورسالة في الجبر والاختيار ، وحاشية على الشواهد الربوبيّة ، وحاشية على الأسفار ، واللآلئ المنتظمة ، وهي أرجوزة في المنطق والميزان ، وغرر الفوائد وهي أرجوزته في الفلسفة والحكمة وقد شرحها بنفسه بشرح وجيز . وتقدّم شخصيّة السبزواري العلمية على منظومته وشرحها في المنطق والفلسفة التي عكف على درسها وقراءتها طلّاب الفلسفة في كثير من المعاهد العليا الإسلامية ، كالنجف وقم وطهران وسواها . وتعدّ منظومة السبزواري من المصادر الفلسفية المشهورة ، وهي تؤلّف الحلقة الأولى من مراحل الدراسات الفلسفية ، وقد حظيت هذه المنظومة باهتمام العلماء وعنايتهم ، فشرحوها وعلّقوا عليها وأوضحوا غوامضها . كما في : فيض الباري في إصلاح منظومة السبزواري للسيد هبة الدين الشهرستاني ، وحاشية عليها للشيخ محمد بن معصوم بن علي الهيدجي الزنجاني ، ودرر الفوائد في شرح غرر الفوائد للسيد ميرزا محمد حسين الشهرستاني ، وحاشية المنظومة للشيخ محمد تقي الآملي ، وحاشية الميرزا مهدي الآشتياني .