السيد كمال الحيدري

160

فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)

وفي المقابل ذهب الشيخ الرئيس القائل بأصالة الوجود إلى أنّها حقائق متباينة بعضها عن بعض ، ولا يوجد جامع بينها إلّا في مفهوم الوجود ، وهذا يعني عدم وجود جسور رابطة بين هذه الوجودات ، ولا يمكن الانتقال من وجود إلى وجود آخر ، فمن دخل في هذا الوجود لا يمكنه أن يكون وجوداً آخر ، ومن دخل في ذلك الوجود لا يمكنه أن يكون الوجود الأوّل ، وهذا ما يُعبّر عنه في لغة الفلسفة بأنّ الوجودات حقائق متباينة بتمام الذوات . وأبرز مثال بيّنه أصحاب القول بأنّ الوجود حقيقة واحدة ذات مراتب مختلفة بالشدّة والضعف هو النور الحسّي الذي له مراتب ودرجات متعدّدة ، وهذه المراتب والدرجات ترجع إلى حقيقة واحدة هي حقيقة النور التي تكون ظاهرة في ذاتها ومظهرة لغيرها . ومن الواضح أنّ هذه الحقيقة واحدة في جميع المراتب المختلفة ، ووحدتها لا تتنافى مع كثرة المراتب . فالشدّة في النور القويّ والضعف في النور الضعيف لا يكونان من قبيل الناطقيّة والحيوانيّة ، لأنّ الشدّة في النور إذا كانت جزءاً مقوّماً للنور ، فيلزم أن لا يكون النور الضعيف نوراً ، بسبب فقدانه لذلك الجزء . فالشدّة والضعف في النور الشديد والضعيف هما من مراتب الحقيقة النوريّة الواحدة ، كما هو الحال في العدد ، إذ يشكِّل العدد « اثنان » مرتبة من العدديّة ، والعدد « ثلاثة » مرتبة أخرى ، وهكذا . . . وتختلف كلّ واحدة من المراتب عن الأخرى لاختلاف خواصّها وآثارها ، فالعدد « أربعة » مثلًا يقبل القسمة على العدد « اثنين » فيما لا يقبل العدد « ثلاثة » ذلك ، والاثنان نوع ، والثلاثة نوعٌ آخر . . . ومع ذلك فإنّ هذه المراتب تتّفق جميعها في حقيقة واحدة وهي العدد ، إذ إنّ كلّ منها هو عدد ، فالثلاثة ليست جزءاً مقوّماً