السيد كمال الحيدري

13

فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)

نجد أنّ القافلة البشرية انقسمت إلى فئتين : الفئة الأولى : أنكروا أن يكون لهذا العالم مبدأ ومنتهى ، وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ « 1 » وبتعبير بعضهم : إنّ القافلة الإنسانية مثلها مثل السفن التي تظهر باستمرار في عرض المحيط فتتقاذفها الأمواج العابثة حتى تغرق في أعماق البحر من دون أن تصل إلى شاطئ الأمن والاطمئنان ، وهذه هي الفئة التي عاشت مشكلة الضياع واللاانتماء ؛ وهي « قصّة إنسان عصرنا الذي حقّق تقدّماً تكنولوجياً هائلًا فأصابته الحيرة وضاع ولم يدرِ من أين جاء ؟ وإلى أين هو ذاهب ؟ وإلى أيّ جهة لابدّ أن يتّجه ؟ وأيّ سبيل يسلك ؟ وهكذا انتشرت في عصرنا مذاهب العبث ، فدبّت كالسرطان في فكر الإنسان المتمدّن وروحه ، وكدودة الأرض تنخر أسس الإنسانية وتحطّمها » « 2 » . وهي المشكلة التي عبّر عنها أستاذنا السيد محمد باقر الصدر قدس سره : « أنّها تعيق حركة الإنسان في تطوّره عن الاستمرار الخلّاق المبدع الصالح ، لأنّ مشكلة الضياع تعني بالنسبة إلى الإنسان أنّه صيرورة مستمرّة تائهة لا تنتمي إلى مطلق يسند إليه الإنسان نفسه في مسيرته الشاقّة الطويلة المدى . فالتحرّك الضائع بدون مطلق ، تحرّك عشوائي كريشة في مهبّ الريح تنفعل بالعوامل من حولها ولا تؤثّر فيها » « 3 » .

--> ( 1 ) الجاثية : 24 . ( 2 ) المنهج الجديد في تعليم الفلسفة ، الأستاذ محمد تقي مصباح يزدي ، ترجمة محمد عبد المنعم الخاقاني ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرّفة : ج 1 ، ص 131 . ( 3 ) الفتاوى الواضحة وفقاً لمذهب أهل البيت عليهم السلام ، محمد باقر الصدر ، دار التعارف للمطبوعات ، بيروت لبنان : ص 707 .