السيد كمال الحيدري

88

فلسفة الدين (مدخل لدراسة منشأ الحاجة إلى الدين وتكامل الشرائع)

المحققّ لإنسانية الإنسان ، وبه ينال الإنسان كماله ، وهو الذي يلتذّ ويتألم ويصل إلى السعادة أو الشقاوة ، أمّا البعد المادّى فهو تابع للبعد الروحي ، وقد تقدّم أنّ الإنسان لا يمكنه أن ينمّى كمالات روحه إلّا من خلال المادّة ، بمعنى أنّ الروح لا يمكن أن تنال كمالها إلّا من خلال نشأة الابتلاء والامتحان . وعلى هذا الأساس جاءت كلمات أهل البيت عليهم السلام مادحة للدنيا تارة وذامّة لها تارة أخرى ، فمن جهة تعتبر الدنيا فضلًا من الله تعالى ورحمة وأنّها محبوبة عند الله تعالى ، ومن جهة أخرى نجد كلماتهم عليهم السلام تصف الدنيا بأنّها دار الغرور وأنّها دار لهو ولعب وأنّها متاع ، وأنّ الحرص عليها مذموم ونحوها من الكلمات . والجمع بين كلماتهم هذه عليهم السلام لعلّه واضح ؛ إذ إنّ الدنيا الممدوحة هي إذا استُثمِرت بتحصيل الكمالات والإعداد لحياة أبدية سرمدية ، واتّجر فيها الإنسان لاكتساب الثواب في الآخرة ؛ لذا جاء في خطبة أمير المؤمنين عليه السلام ردّاً على من ذمّ الدنيا بقوله : « إنّ الدنيا دار صدق لمن صدَقها ، ودار عافية لمن فهم عنها ، ودار غنىً لمن تزوّد منها ، ودار موعظة لمن اتّعظ بها . مسجد أحبّاء الله ، ومصلّى ملائكة الله ، ومهبط وحى الله ، ومتجر أولياء الله . اكتسبوا فيها الرحمة ، وربحوا فيها الجنّة . فمن ذا يذمّها وقد آذنت ببينها ، ونادت بفراقها ، ونعت نفسها وأهلها ، فمثّلت لهم ببلائها البلاء ، وشوّقتهم بسرورها إلى السرور ، راحت بعافية وابتكرت بفجيعة ؛ ترغيباً وترهيباً ، وتخويفاً وتحذيراً ، فذمّها رجال غداة الندامة ، وحمدها آخرون يوم القيامة ؛ ذكرتهم الدنيا فتذكّروا ، وحدّثتهم فصدّقوا ، ووعظتهم فاتّعظوا » « 1 » .

--> ( 1 ) نهج البلاغة ، مصدر سابق : ج 4 ص 32 .