السيد كمال الحيدري

60

فلسفة الدين (مدخل لدراسة منشأ الحاجة إلى الدين وتكامل الشرائع)

ومن هنا نجد القرآن الكريم يذكر في سورة السجدة شبهة منكري المعاد القائلة بأنّ الموت سبب لتفسّخ أعضاء البدن وهو يلازم انحلال شخصيّته ، فكيف يمكن إعادته وجمع بدنه المتناثر ، فإنّ الاجتماع بعد التفرقة لا يعيد شخصيته الأولى ، بل يضفى عليه شخصية أخرى ليست مسؤولة عن أعمال الإنسان ؟ هذه الشبهة يقرّرها القرآن الكريم بقوله تعالى : ( وَقَالُوا أَ إِذَا ضَلَلْنَا فِى الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ ) « 1 » ( . والجواب التفصيلي يبيّنه القران الكريم بقوله تعالى : ( قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ) « 2 » ( فالله تعالى يقول إنّ واقع الإنسان ليس هو البدن وأجزاءه المتفرقة ، وإنّما واقعه محفوظ بالروح الذي يأخذه ملك الموت ويرجعه إلى ربّه وهو لا يمسّه الانحلال والتحلّل . لذا قال تعالى : ( فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِى فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) « 3 » . فالآية المباركة في صدد بيان بداية خلق الإنسان ونشأته ، وأن النشأة الأولى كانت من طين ؛ قال تعالى : ( هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ) « 4 » ( وقوله تعالى : ( وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ) « 5 » ( وقوله تعالى : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ

--> ( 1 ) السجدة : 7 . ( 2 ) السجدة : 11 . ( 3 ) سورة ص : 72 . ( 4 ) الأنعام : 2 . ( 5 ) الصافات : 11 .