السيد كمال الحيدري
56
فلسفة الدين (مدخل لدراسة منشأ الحاجة إلى الدين وتكامل الشرائع)
بل هنالك آيات جمعت في سياق واحد بين المشيئتين ( مشيئة الإنسان ومشيئة الله تعالى ) كقوله تعالى : ( لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) « 1 » ( وهى صريحة في أنّ الإنسان هو صاحب المشيئة ، وأنّه هو الذي يختار أن يستقيم ، وما ذلك إلّا لأنّ الله تعالى أراد أن يكون الإنسان مختاراً وحرّاً في تصرفاته . مضافاً إلى تصريح القرآن الكريم بأنّ الله تعالى لو شاء أن يهدى الإنسان هداية جبرية لأمكن ذلك ، ولكنه لم يشأ ذلك ، بل شاء أن تكون هدايته للإنسان من خلال إرادة الإنسان نفسه ؛ ولذا قال تعالى : ( فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ) « 2 » ( . فهذه الآيات القرآنية تكشف لنا أنّ لله تعالى القدرة المطلقة من جهته ، كما تكشف من جهة أخرى أنّ الله تعالى قد شاء أن يكون الإنسان حرّاً مختاراً في قبوله الحقّ أو رفضه . كذلك ثمة آيات أخرى تقرّر أنّ الإنسان هو الذي يختار ويريد وأنّ الله تعالى يعامله في ضوء ما يختار من حرث الدنيا أو حرث الآخرة كما في قوله تعالى : ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِى الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ « 3 » ( وقوله تعالى : ( وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِى يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ * وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِىَ
--> ( 1 ) التكوير : 29 28 . ( 2 ) النحل : 149 . ( 3 ) الشورى : 20 .