السيد كمال الحيدري
49
فلسفة الدين (مدخل لدراسة منشأ الحاجة إلى الدين وتكامل الشرائع)
لجهل الفاعل بصلاح الشئ وفساده ، وقد ثبت أنّ الله تعالى عالم بكلّ شئ ، وإمّا لعبث يريده بذلك الفعل ، وهو تعالى منزَّه عن العبث ؛ قال تعالى : ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ) « 1 » ( . المقدّمة الثالثة : الغاية من خلق الإنسان تحقيق سعادته في الدارين لاشكّ أنّ الهدف الأسمى لخلق الإنسان هو إيصاله إلى الطهارة الباطنية والقرب الإلهى ، بحيث ينعكس التوحيد في ذاته وصفاته وأفعاله وهذا هو الكمال النهائي لخلق الإنسان . ولهذا نجد أنّ جميع المعارف والتعاليم الأخلاقية الإسلامية منتظمة بشكل يصبّ في هذا الهدف وهو الوصول إلى الله تعالى والقرب منه . إلّا أنّ هذا لا يعنى عدم وجود أهداف أخرى لخلق الإنسان ، ولعلنّا لا نجانب الصواب إذا ما قلنا بوجود أهداف أخرى لخلق الإنسان تمثّل أهدافاً متوسِّطة ومقدِّمة للهدف الأساسي وهو القرب الإلهى ، ومن جملة أهداف خلق الإنسان سعادته في الدار الآخرة . وهذا الهدف والغاية من فعل الإنسان مما تقتضيه حكمة الله تعالى وعدله ، فلو قدّرنا أنّ الموت هو النهاية التي ليس وراءها منقلب ، وليس بعدها مصير ، لكان مخالفاً لحكمة الله تعالى في الجزاء ، إذاً فلا مناص أن ننتظر وراء الموت منقلباً آخر يوفّى فيه المطيع ثوابَ إطاعته ويتلقَّى العاصي جزاء عصيانه ، فليس من الحكمة أن يوجد موجود لا لغاية ، وليس من
--> ( 1 ) الأنبياء : 18 16 .