السيد كمال الحيدري
24
فلسفة الدين (مدخل لدراسة منشأ الحاجة إلى الدين وتكامل الشرائع)
المجرّدة عن المادّة إذا قيست إلى المادّة نفسها فيمكن أن يكون أحد الطرفين قريباً والطرف الآخر بعيداً ، وهو ما يسمّى بالقرب المعنوىّ . ومن هذا القبيل قرب الإنسان وبعده من الله تعالى ، فإنّ الله تعالى قريب من عباده ، لكنّ العبد قد يكون بعيداً عن الله ؛ لذا قال تعالى : ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) « 1 » ( وقال تعالى : ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) « 2 » ( وقال تعالى : ( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) « 3 » ( وقال تعالى : ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِى وَلْيُؤْمِنُوا بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) « 4 » . إذاً القرب والبعد من الله تعالى مقولة أخرى تختلف عن البعد والقرب في عالم المادّة . حقيقة القرب الإلهى إنّ حقيقة القرب من الله تعالى هو حضور العبد بين يدي الله تعالى بمعنى الطاعة والانقياد وعدم الغفلة عنه تعالى ، وهذا بخلاف الإنسان الذي يكون غافلًا عن الله ، فهو بعيد عنه سبحانه ، كما في قوله تعالى : ( فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ) « 5 » أو كما عبّرت زوجة فرعون حينما دعت الله تعالى ) ابْنِ لِى عِنْدَكَ بَيْتاً فِى الْجَنَّةِ وَنَجِّنِى مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِى مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) « 6 » حيث كان لها معرفة بمقام القرب وعبّرت عن هذا
--> ( 1 ) الحديد : 4 . ( 2 ) ق : 16 . ( 3 ) الأنفال : 24 . ( 4 ) البقرة : 186 . ( 5 ) القمر : 55 . ( 6 ) التحريم : 11 .