السيد كمال الحيدري

19

فلسفة الدين (مدخل لدراسة منشأ الحاجة إلى الدين وتكامل الشرائع)

عالم الآخرة وقوانينها . فالعقل لا يتمكّن بما يملكه من معلومات من الوقوف والإحاطة بكلّ الحقائق . إذاً لابدّ للعقل من ركيزة أخرى وهى وحى الله تعالى إلى أنبيائه المصطفين . وعلى هذا الأساس نفهم طبيعة العلاقة والنسبة بين الدين والعقل ، فإنّ الدين يبيّن الطريق والصراط المستقيم للوصول إلى الكمال ، أمّا دور العقل فهو الدلالة على ذلك الطريق والصراط المستقيم ؛ ومن هنا فقد يملك الإنسان الطريق السليم ، لكن لا عقل له ، فلا يستطيع السير في ذلك الطريق ، وقد يملك الإنسان العقل ، لكن إذا لم يأتِ إليه الدين والوحي ويبيّن له الصراط والطريق السليم ، فلا يمكن لهذا الإنسان أن يصنع لنفسه صراطاً مستقيماً . فالعقل كالمصباح الذي من خلاله يمكن الوصول إلى الهدف ، أمّا الوحي فهو الطريق المستقيم الموصل إلى الهدف . فلكى تصل إلى الهدف ، فلابدّ من وجود شيئين أحدهما وجود الطريق والآخر المصباح الذي يدلّك على الطريق . فدور الوحي هو بيان الطريق ، أمّا العقل فدوره دور المصباح في الدلالة على الطريق . إذاً لا يمكن للوحي أن يستغنى عن العقل ، ولا يمكن للعقل أن يستغنى عن الوحي ، فهما كالجناحين الذي يطير بهما الطائر ، ولا يمكن للطائر أن يطير بجناح واحد . وإلى ذلك يشير قوله تعالى : ( رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ) « 1 » ، إذ لو كان العقل

--> ( 1 ) النساء : 165 .