السيد كمال الحيدري

132

فلسفة الدين (مدخل لدراسة منشأ الحاجة إلى الدين وتكامل الشرائع)

له تعالى ، والبشر شأنهم كسائر المخلوقات في عالم الوجود مملوكون له جلّ وعلا ، لا إذن لهم بالتصرّف بهذا الكيان من دون ترخيص من المالك الحقيقي ، فلا يحقّ للإنسان التصرّف حتى بنفسه ناهيك عن الآخرين . فعلى سبيل المثال : لا يجوز لنا إلحاق الضرر بأيدينا أو عيوننا ؛ لأنّ كلّ شئ لله تعالى ، وإذا ما فقدنا حقّ التصرف بأنفسنا فأنّى لنا التصرّف في حقّ الآخرين ، فلو أنّ شخصاً ارتكب جريمة ما لأىّ سبب من الأسباب فلا يحقّ لأحد مساءلته أو معاقبته ، إلّا من أذِن له المالك الحقيقي . إذاً الحاكم في النظرية القرآنية ولىّ عن الله تعالى وليس وكيل على الناس ، نظير ولاية للأب على ابنه ، فالله تعالى هو الذي جعل ونصب الأب وليّاً على الطفل ، والطفل لم يجعل ولاية الأب عليه ، وهذا بخلاف النظريات البشرية الأخرى التي تعتبر الرئيس ممثّلًا عن المنتخب ، ووكيلًا له ، ويمكن للمخوّل أن يعزله أو يطالبه بشئ ونحو ذلك . فالنظرية القرآنية تقوم على أساس أنّ الحاكم ولىّ عن الله تعالى لا وكيلٌ من الناس . فليس للناس أن يعزلوه ، وإنّما الواجب على الناس الطاعة والانصياع لأوامره كما قال تعالى : ( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) « 1 » قال تعالى : ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِى أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) « 2 » ( . فالمطلوب من الناس هو الطاعة التامّة والتسليم لأمر النبىّ صلى الله عليه وآله باعتباره الحاكم المعيَّن من الله تعالى . وهنالك جملة أخرى من الآيات تدلّ على وجوب الخضوع لقضاء

--> ( 1 ) آل عمران : 132 . ( 2 ) النساء : 65 .