السيد كمال الحيدري

128

فلسفة الدين (مدخل لدراسة منشأ الحاجة إلى الدين وتكامل الشرائع)

تعالى : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) « 1 » فالآية صريحة في تعريف الوظيفة الأولى للأنبياء المتمثّلة ببيان الأحكام ) وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ ( أي زوّدناهم بتشريعات شاملة ، كما قال في آية أخرى ) لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ) « 2 » . إذاً هذه الوظيفة الأولى ؛ وهى بيان الحكم ، لكن لماذا ؟ تقول الآية : ( لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ( . وهذا أمر لابدّ له من حكومة قويّة لكي يتمكّن الأنبياء بواسطتها من إقامة العدالة الاجتماعية ؛ لذا تقول الآية نفسها : ( وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ ) « 3 » ( . فمن نكات هذه الآية المباركة أنّها أشارت إلى صفة من صفات هذه الحكومة ، وهى ضرورة أن تكون قويّة . كذلك يقول تعالى : ( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ) « 4 » ( . فالحكم هنا هو التنفيذ والإجراء للشريعة الإلهية ، والنبي وإن كان مبيّناً للحكم الشرعي ، لكنه في الوقت ذاته يتولّى تنفيذ الأحكام ويعمل على تطبيقها ؛ قال تعالى : ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً

--> ( 1 ) الحديد : 25 . ( 2 ) المائدة : 48 . ( 3 ) الحديد : 25 . ( 4 ) المائدة : 44 .